آخر تحديث: الأحد | التاريخ: 2020/06/07

تجارة المراقبة: الجانب المظلم من تجارة أسلحة التجسس الصهيونية

تجارة المراقبة: الجانب المظلم من تجارة أسلحة التجسس الصهيونية

جوناثان كوك – تتسارع وتيرة إعادة توظيف أسلحة العصر الرقمي التي أنتجتها إسرائيل لقمع الفلسطينيين لتوسيع نطاق استخدامها ضد الشعوب الغربية التي طالما اعتبرت حريتها أمراً مفروغاً منه.

صحيح أن إسرائيل تُعرف بأنها «دولة ناشئة» منذ عقود، إلا أن سمعتها في الابتكارات التكنولوجية المتقدمة قائمة على الجانب المظلم من هذه الصناعة، الجانب الذي أصبح من الصعب تجاهله.

قبل بضع سنوات، نبه المحلل الإسرائيلي جيف هالبر إلى أن إسرائيل حققت دوراً محورياً على مستوى العالم في دمج التكنولوجيا الرقمية الجديدة مع صناعة الأمن الداخلي. ليصبح التهديد والخطر أننا سنتحول جميعاً إلى فلسطينيين تدريجياً.

وأشار ذات المحلل إلى أن إسرائيل تعامل ملايين الفلسطينيين في ظل حكمها العسكري الذي لا يخضع للمساءلة مثل فئران التجارب في مختبرات مفتوحة. إذ كانوا حقل تجارب لا لتطوير منظومات الأسلحة تقليدية جديدة فحسب، وإنما لأدوات جديدة للمراقبة والتحكم الشاملين أيضاً.

وتعد عملية المراقبة الإسرائيلية للفلسطينيين، مثلما أشار تقرير حديث نشرته صحيفة Haaretz الإسرائيلية، «من بين الأضخم من نوعها في العالم. وتشمل مراقبة وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي والشعب بأكمله».

تجارة المراقبة

ما بدأ في الأراضي المحتلة لم يكن أبداً ليظل في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة. إذ ثمة الكثير من المال والنفوذ اللذين يمكن اكتسابهما من التجارة في هذه الأشكال الهجينة الجديدة من التكنولوجيا الرقمية العدوانية.

وصحيح أن إسرائيل ضئيلة الحجم إلا أنها تُعرف منذ فترة طويلة بأنها رائدة على مستوى العالم في تجارة الأسلحة المربحة، إذ باعت منظومات أسلحتها لأنظمة استبدادية حول العالم باعتبارها «مُجربة ميدانياً» على الفلسطينيين.

وأصبح سوق البرمجيات العدوانية يطغى على هذه التجارة في المعدات العسكرية بصورة متزايدة: وهي عبارة عن أدوات لشن الحروب الإلكترونية.

ويتزايد طلب البلدان على مثل هذه الأسلحة حديثة العهد لاستخدامها لا ضد الأعداء الخارجيين فحسب، وإنما ضد المعارضين الداخليين من المواطنين وناشطي حقوق الإنسان.

ويحق لإسرائيل أن تزعم أنها سلطة عالمية في هذا المضمار، فهي تضطهد شعباً تحت حكمها وتتحكم به. لكنها كانت حريصة على مسح بصماتها من جزء كبير من هذه تكنولوجيا المراقبة الجديدة هذه، عبر الاستعانة بمصادر خارجية لزيادة تطوير هذه الأدوات الإلكترونية من خريجي وحدات أمنها واستخباراتها العسكرية سيئة السمعة.

إلا أن إسرائيل توافق ضمنياً على مثل هذه الأنشطة من خلال تزويد هذه الشركات بتراخيص تصدير، وغالباً ما يشارك كبار مسؤولي الأمن في البلاد في هذه الأنشطة عن قرب وكثب.

الخلافات مع وادي السيليكون.. من المراقب الأعظم؟

فور أن ينهي الإسرائيليون خدمتهم العسكرية، يمكنهم استغلال سنوات الخبرة المكتسبة من التجسس على الفلسطينيين عبر إنشاء شركات تعمل على تطوير برامج مماثلة لاستخدامها في مجالات أكثر عمومية.

ويزداد شيوع التطبيقات التي تعتمد على تكنولوجيا المراقبة المتطورة التي تُصنع في إسرائيل في حياتنا الرقمية. وقد صُنعت بعضها لاستخدامات مفيدة نسبياً. فتطبيق Waze، الذي يتابع الازدحام المروري، يمكّن السائقين من الوصول إلى وجهاتهم بشكل أسرع، بينما يمكّن تطبيق Gett العملاء من العثور على سيارات الأجرة القريبة عبر هواتفهم.

لكن بعض التكنولوجيا السرية التي ينتجها المطورون الإسرائيليون أكثر قرباً إلى قالبها العسكري الأصلي من الشكل الخدمي.

وهذه البرامج العدوانية تُباع إلى الدول التي ترغب في التجسس على مواطنيها أو الدول المنافسة لها، وكذلك إلى الشركات الخاصة التي تأمل في اكتساب ميزة على منافسيها أو استغلال عملائها والتلاعب بهم تجارياً.

وحالما تُدمج برامج التجسس هذه مع منصات التواصل الاجتماعي التي تضم مليارات المستخدمين، فإنها توفر للوكالات الأمنية في مختلف الدول إمكانيات مراقبة شبه عالمية. وهذا ما يفسر العلاقة المشحونة في بعض الأحيان بين شركات التكنولوجيا الإسرائيلية ووادي السيليكون، حيث يجاهد الأخير للسيطرة على هذه البرامج الضارة، مثلما أبرز مثالان متناقضان مؤخراً.

«أدوات التجسس» في الهاتف المحمول

في علامة على وجود هذه التوترات، رفع تطبيق واتساب، الدعوى الأولى من نوعها في محكمة في كاليفورنيا الأسبوع الماضي على شركة NSO، أكبر شركة إسرائيلية في مجال المراقبة.

إذ تتهم شركة واتساب شركة NSO بشن هجمات إلكترونية عليها. وذكرت تقارير أن شركة NSO استهدفت الهواتف المحمولة لأكثر من 1400 مستخدم في 20 دولة، خلال فترة تبلغ 14 يوماً فقط تنتهي أوائل شهر مايو/أيار.

واستُخدم برنامج التجسس الذي أنتجته شركة NSO والمعروف باسم Pegasus ضد نشطاء حقوق الإنسان ومحامين ورموز دينية وصحفيين وعمال إغاثة. وكشفت وكالة رويترز الأسبوع الماضي أن شركة NSO استهدفت أيضاً مسؤولين كباراً من حلفاء الولايات المتحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن برنامج Pegasus، بعد اختراقه هاتف المستخدم دون علمه، ينسخ البيانات ويفتح الميكروفون ليراقب المستخدم. ووصفته مجلة Forbes الأمريكية بأنه «أكثر برنامج تجسس على الهواتف المحمولة انتهاكاً للخصوصية».

ووفرت شركة NSO البرنامج لعشرات الحكومات، التي من بينها أنظمة معروفة بأنها تنتهك حقوق الإنسان مثل المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة وكازاخستان والمكسيك والمغرب.

وشكت منظمة العفو الدولية من أن موظفيها من بين هؤلاء المستهدفين لبرنامج التجسس المملوك لشركة NSO. وهي تدعم حالياً إجراءً قانونياً ضد الحكومة الإسرائيلية لإصدارها رخصة تصدير للشركة.

العلاقات مع أجهزة الأمن الإسرائيلية

تأسست شركة NSO عام 2010 على يد أومري لافي وشالف هوليو، وأوردت تقارير أن كليهما من خريجي وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية 8200 التي تبالغ في التباهي بقدراتها.

في عام 2014، كشف عاملون في هذه الوحدة أنها تتجسس بشكل روتيني على الفلسطينيين، وتبحث في هواتفهم وحواسيبهم على أدلة عن مخالفات جنسية أو مشاكل صحية أو صعوبات مالية يمكن استخدامها للضغط عليهم للتعاون مع السلطات العسكرية الإسرائيلية.

وكتب هؤلاء الجنود أن الفلسطينيين «خاضعين بالكامل للتجسس والمراقبة من المخابرات الإسرائيلية. والهدف من هذا التجسس هو الاضطهاد السياسي وزرع الانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني من خلال تجنيد المتعاونين معهم وزرع العداوة بين الفلسطينيين وبعضهم البعض».

ورغم إصدار المسؤولين رخص تصدير لشركة NSO، نفى وزير الحكومة الإسرائيلية زئيف إلكين «تورط الحكومة الإسرائيلية» في اختراق واتساب الأسبوع الماضي. وقال للإذاعة الإسرائيلية: «الكل يدرك أن الأمر لا علاقة له بدولة إسرائيل».

التتبع بالكاميرات

في الأسبوع نفسه الذي بدأت فيه واتساب إجراءاتها القانونية، كشفت القناة التلفزيونية الأمريكية NBC أن وادي السيليكون مع ذلك حريص على التواصل مع الشركات الناشئة الإسرائيلية المتورطة حتى النخاع في الانتهاكات المرتبطة بالاحتلال الاسرائيلي.

إذ استثمرت شركة مايكروسوفت الكثير من الأموال في شركة AnyVision لتطوير تقنية التعرف على الوجه المتطورة التي تساعد الجيش الإسرائيلي بالفعل في قمع الفلسطينيين.

والاتصالات بين شركة AnyVision وأجهزة الأمن الإسرائيلية لا تخفى على المراقبين والمتابعين. ويضم مجلس الشركة الاستشاري تامير باردو، الرئيس السابق لوكالة التجسس الإسرائيلية الموساد. وسبق لرئيس الشركة، أمير كاين، أن شغل منصب رئيس مالاب، إدارة الأمن في وزارة الدفاع الإسرائيلية.

وأُطلق على برنامج AnyVision الرئيسي «Better Tomorrow» لقب «احتلال جوجل» لأن الشركة تزعم أنها تستطيع التعرف على أي فلسطيني وتتبعه عبر البحث في لقطات شبكة كاميرات المراقبة الواسعة التابعة للجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

قلق بالغ لا يهدأ

رغم مشكلاته الأخلاقية الواضحة، يشير استثمار مايكروسوفت إلى أنها ربما تهدف إلى دمج البرنامج في برامجها التي تنتجها. وقد أثار ذلك قلقاً بالغاً بين منظمات حقوق الإنسان.

إذ حذر شانكار نارايان من الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية من مستقبل مألوف جداً للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي، إذ قال لشبكة NBC: «الاستخدام الواسع النطاق لمراقبة الوجه يقوض فرضية الحرية وتبدأ في التحول إلى مجتمع يُراقب فيه الجميع، بغض النظر عما يفعلونه، وفي كل الأوقات».

وقال: «ربما يكون التعرف على الوجوه الأداة المثالية لضمان السيطرة الحكومية الكاملة في الأماكن العامة».

ووفقاً ليائيل بيردا، الباحث في جامعة هارفارد، تحتفظ إسرائيل بقائمة تضم حوالي 200 ألف فلسطيني في الضفة الغربية تريدهم تحت المراقبة طوال الوقت. وتعتبر تقنيات مثل برنامج شركة AnyVision حيوية لضمان إبقاء هذه المجموعة الواسعة تحت المراقبة المستمرة.

وقال موظف سابق في AnyVision لشبكة NBC إن الفلسطينيين يُعاملون باعتبارهم حقل تجارب. وقال: «اُختبر هذا البرنامج ميدانياً في واحدة من أكثر البيئات الأمنية تطلباً في العالم، وقد بدأنا الآن في طرحها على بقية الأسواق».

التدخل في الانتخابات

لدى الحكومة الإسرائيلية نفسها مصلحة متزايدة في استخدام تقنيات التجسس هذه في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث أصبح احتلالها محور خلاف وتمحيص في الخطاب السياسي السائد.

ففي المملكة المتحدة، أبرز انتخاب جيريمي كوربين، وهو ناشط معروف بدفاعه عن حقوق الفلسطينيين، رئيساً لحزب العمال المعارض التحول في المناخ السياسي. وفي الولايات المتحدة، دخلت الكونغرس مؤخراً مجموعة صغيرة من المُشرّعات الداعمات للقضية الفلسطينية، تضم رشيدة طليب، أول امرأة فلسطينية أمريكية تشغل هذا المنصب.

وبصورة أعم، تخشى إسرائيل حركة التضامن الدولية الناجحة BDS (المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات)، التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل -على غرار الحركة التي نشأت ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا- حتى تتوقف عن قمع الفلسطينيين. ويُذكر أن حركة BDS تنشط بقوة في العديد من الجامعات الأمريكية.

ونتيجة لذلك، زادت شركات التكنولوجيا الإسرائيلية من جهودها المبذولة للتلاعب بالخطاب العام عن إسرائيل، ومن ذلك على ما يبدو التدخل في الانتخابات الخارجية.

«الموساد الخاص للإيجار»

تصدَّر مثالان سيئان لهذه الشركات عناوين الصحف لفترة وجيزة. إذ أُغلقت شركة Psy-Group، التي تسوق نفسها على أنها «موساد خاص للإيجار» ، العام الماضي بعد أن بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي التحقيق معها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016. وكان «مشروع الفراشة» الذي أطلقته يهدف، وفقاً لمجلة New Yorker الأمريكية، إلى «زعزعة استقرار الحركات المعادية لإسرائيل من الداخل وإزعاجها».

وفي الوقت نفسه، ظهر أن شركة Black Cube كانت تراقب العام الماضي أعضاء بارزين في الإدارة الأمريكية السابقة، بقيادة باراك أوباما. ويبدو أنها وثيقة الصلة بأجهزة الأمن الإسرائيلية، وكانت في قاعدة عسكرية إسرائيلية لفترة من الوقت.

أبل تَحظُر

ثمة شركات إسرائيلية أخرى تسعى إلى طمس الفرق بين المساحة الخاصة والعامة.

إذ ضمت شركة فيسبوك شركة Onavo، وهي شركة إسرائيلية لجمع البيانات أنشأها جنديان من وحدة  8200، عام 2013. وحظرت أبل تطبيق VPN الخاص بهذه الشركة العام الماضي بعد أن تبين أنه يسمح بالاطلاع غير المحدود على بيانات المستخدمين.

يُذكر أن وزير الشؤون الاستراتيجية في إسرائيل، جلعاد إردان، الذي يرأس حملة سرية لشيطنة نشطاء حركة (المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات) في الخارج، عَقَد اجتماعات مع شركة أخرى تسمى Concert، العام الماضي، بصفة منتظمة، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة Haaretz الإسرائيلية. تلقت هذه الشركة السرية، المستثناة من قوانين حرية المعلومات في إسرائيل، تمويلاً تبلغ قيمته حوالي 36 مليون دولار من الحكومة الإسرائيلية. ومديروها والمساهمين فيها «مجموعة» من الشخصيات الأمنية والاستخبارية البارزة في إسرائيل.

وسُميت شركة إسرائيلية رائدة أخرى، وهي Candiru، على اسم سمكة أمازونية صغيرة تشتهر بأنها تتسلل إلى جسم الإنسان دون أن يشعر، وتصبح طفيلية. تبيع Candiru معظم أدوات القرصنة التي تصنعها إلى الحكومات الغربية، رغم أن عملياتها محاطة بالسرية.

وموظفو هذه الشركة يُعينون بشكل حصري تقريباً من الوحدة 8200. وفي إشارة إلى مدى الارتباط الوثيق بين البرامج العامة والسرية التي طورتها الشركات الإسرائيلية، كان الرئيس التنفيذي لشركة Candiru، إيتان أخلو، يرأس في السابق تطبيق Gett الذي يقدم  خدمة سيارات الأجرة.

مستقبل مظلم

تفيد النخبة الأمنية في إسرائيل من هذا السوق الجديد في الحرب الإلكترونية، مستغلة -تماماً مثلما فعلت في تجارة الأسلحة التقليدية- سكاناً فلسطينيين جاهزين وتحت الأسر، يمكنها اختبار برامجها عليهم.

وليس من المستغرب أن إسرائيل تحاول أن تجعل التقنيات المنتهكة للخصوصية والقمعية التي أصبحت مألوفة للفلسطينيين أمراً عادياً في الدول الغربية.

إذ إن برنامج التعرف على الوجه يزيد من تعقيد التصنيف العنصري والسياسي. وجمع البيانات السرية والمراقبة يدمر الحدود التقليدية بين المساحة الشخصية والعامة، كما أن حملات نشر البيانات الشخصية الناتجة عن ذلك تجعل من السهل تخويف وتهديد وتقويض من يعارضون أو، مثل منظمات حقوق الإنسان، يحاولون محاسبة الأقوياء.

إذا استمرت ملامح هذا المستقبل المظلم في التجلي، فإن مدناً مثل نيويورك ولندن وبرلين وباريس ستبدو أشبه بنابلس والخليل والقدس الشرقية وغزة. وسندرك جميعاً ما يعنيه العيش داخل دولة تجيز المراقبة وتشن حرباً إلكترونية على أولئك الذين تحكمهم.

مقالات ذات صله