آخر تحديث: الأربعاء | التاريخ: 2019/12/11

حرية من وهم: قطع الإنترنت بداعي الأمن القومي!

حرية من وهم: قطع الإنترنت بداعي الأمن القومي!

عمار العربي – مدّون – بامتداد القرن الماضي كانت الروح القومية في أوجها، وكان العمل الحزبي والحراك السياسي التحرري يقودان الجماهير، وبهدف تقييد الأنشطة السياسية والحزبية وحتى الخارجة عن القانون تم اعتماد حظر التجول الجغرافي كإجراء مفضل يمهد للاعتقالات في مرحلة تالية، مما فرض على المعارضين العمل السري والنزول تحت الأرض، واليوم في عصر الأنترنت ودول الديجيتال أصبحنا إزاء حظر التجول الرقمي، وبات هامش الجغرافيا رقمي لا تضاريسي فقط!

في المنطقة العربية، وفي هذا الجزء من العالم يطرح التساؤل دوماً: لماذا يترتب على انهيار المنظومة الحاكمة انهيار بقية مؤسسات الدولة، وبالأخص وزارات الإعلام في حالة يرثى لها من التردي؟ فهل هذا بفعل هذه الحكومات التي لا تراعي حقوق الإنسان والخدمات الأساسية، فكيف تنتظر منها أن تخجل من قطع خدمات النت الثانوية، ومخالفة الدستور والتسبب في الخسائر المليونية، ترى هل هذا دليل كاف على اقتباس جزئي لأركان الدولة، أم هو استنساخ زائف منقوص للحكم الديمقراطي، أم هو حرص مخادع من أنظمة الحكم الشمولي على قيادة القطيع متسترة بعباءة ادعاء الديمقراطية؟

ووفق ما سبق يبرز التساؤل التالي: هل يدرك الآخر أن الحريات وهمية في الشرق، يروج لها من باب الاستهلاك المحلي في الداخل، وتجميل الصورة في الخارج ليس إلا، وتحديدا حين يقارن المتظاهرون أنفسهم بغيرهم فيتحسرون لمشاهد التعامل الديمقراطي للدولة الفرنسية مع متظاهري السترات الصفراء لعام كامل. مما يكون انطباعاً مفاده امتلاك مجتمعاتنا لخصوصية تحتم تطبيقاً جزئياً للنظام الديمقراطي العصري.

الحرية للعبيد

نهضت الشبكات الاجتماعية لحشد الجماهير الغفيرة خلال ثورات الربيع العربي في المرحلة الأولى وبعدها بثمانية أعوام في المرحلة الثانية، بهدف التصدي لتكميم أفواه المعارضة، ولحسن الحظ فإنه أمام القدرة التواصلية الهائلة لمنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت المنافذ الإعلامية أداة فعالة في تثوير المجتمعات، وفي المقابل ولضمان استمرار قمع الاحتجاجات حرصت الحكومات العربية مع إطلالة الربيع العربي عام 2011 على قطع كافة أشكال التزود بالإنترنت، والمكالمات الهاتفية الدولية بل حتى خدمات الرسائل، وفي حالات معينة تم إبطاء الإنترنت بدلاً من قطعه بالكامل، والغاية السيطرة على رغبات المحتجين ومحاربتهم بالذباب الإلكتروني للحد من تأجيجهم للشارع وإثارتهم للرأي العام وتقزيمهم وقمع قياداتهم، وإرباك تواصلهم لكيلا تتسع رقعة التظاهرات، وبناء عليه ازدادت حملات الاعتقالات لتشمل الصحفيين والمدونين والناشطين ممن يعملون على توثيق الأحداث في لحظتها الأولى، ويتطوعون بنشرها في وقت لاحق على المواقع المتكاثرة كالفطر، وبالتالي أصبح قطع الإنترنت طريقة مُتَّبعة لدى الأنظمة الاستبدادية وشبه الاستبدادية، إلى حد أنه تم تشريع تتبع كل ما يتم تداوله على شبكة الإنترنت في رقابة مسبقة على سيل المعلومات.

وقد شاهدنا فيما مضى كيف قامت الحكومات العربية في مصر وليبيا وسوريا والسودان والجزائر والعراق بل وحتى في بقاع أخرى من العالم كإيران والصين بفصل الخدمات العنكبوتية، وبرمجة وجهات النظر الحكومية، واختراق حسابات تويتر والفيسبوك للمعارضين والناشطين باختلاف اتجاهاتهم. صحيح أنه وبخطوة استباقية تعمل السلطات على حجب أخبار الوقفات المناهضة لها في الميادين والساحات، لكنها تخشى من سطوة نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا تجتهد في إغلاق خوادم الإنترنت بشكل كلي، بدلاً من تطبيق المنع بحركة البلوك هولد لا غير، وفي هذا السياق تشرعن الدولة العميقة لنفسها بكلمات حق أريد بها باطل: حين تتحدث عن ضيق الأحوال، وتعمل على توظيف الدين ورجالاته لتمرير خداع الجمهور المسكين بمخدر معنوي من نوع القناعة كنز لا يفنى بهدف استلاب العقول وجعل الفقراء يستمتعون بفقرهم وإفقارهم، فيتقبلون ضعفهم وقلة حيلتهم!

وعادة ما تبرر السلطات قطع الإنترنت بحجة مواجهة مشاكل في الطاقة، أو أي نوع آخر من مشاكل الهندسة، أو التحجج بالرغبة في منع الغش في الامتحانات المدرسية، كما تستند للمزاعم الأمنية، وتعاملها مع المحتوى المسيس والمتشدد، وتسويق ذاتها دينيا من باب حماية المجتمع من المواقع الإباحية، والتمنن بإغلاق كل المواقع المنافية للشريعة الإسلامية، أو تلك التي تنادي بأفكار مستوردة من الخارج، ولضمان عدم تغطية عمليات التزوير الواسعة النطاق التي تطال الانتخابات المحلية في النطاق العربي، كما إن القطع يهدف لصناعة رأي عام يتقبل حجب النت الذي يعتبر وفق الأعراف الدولية جريمة يتم معاقبة مرتكبها، إلا أنه من المؤكد أن سبب العُطل ليس الضغط على البنية التحتية ولا الخلل، بل تدخل فني مقصود ومؤقت في حُزم البيانات التي تتطلب خدمة البث المُباشر على فيسبوك وتويتر وبقية التطبيقات.

ولعله من ألاعيب الحظر دفع المعارضين للولوج لبعض المواقع المشبوهة والملغمة، وهناك يتم سرقة تفاصيل حساباتهم، وهذه القرصنة تمارس عيانا عبر استهداف المواقع الرسمية للقنوات العربية والعالمية ذات النهج الحيادي وعلى رأسها: الجزيرة، والبي بي سي، ومن هنا ظهر مفهوم الكتائب الإلكترونية، للتمويه على المنظمات الدولية التي تقف لجانب حقوق الإنسان وحرية التعبير كمؤسسات هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية. وقد طبقت الرقابة الصارمة على المحتوى، من أجل ضمان عدم تسييسه! وعدم نشر الأخبار الكاذبة والتعتيم وحظر البرامج والمواقع نتيجة لتطورها المتسارع في العقد الأخير بحيث أصبح لها الدور الأكبر. ترى لو عادت القدس ولو قامت الحرب العالمية كيف سيتناول الإعلام العربي ذلك؟ قطعا سيأتي متأخرا فالدولة الرعوية حيث المواطن تابع وأجير في عبودية لا تنتهي، ولا يسمح له بالخروج عن الطوق، أو التحليق بفكره بعيدا عن الصندوق.

مستقبل الحظر الرقمي

العالم ككل يتجه نحو الجيل الخامس من الاتصالات، وهذا التسارع يفقد الدولة العميقة مقاليد الأمور، ويتيح التواصل عبر استخدام انترنت مربوط بالأقمار الصناعية، أو من خلال أرقام الهواتف لدول مجاورة تستطيع دخول النت دون اتصال بالشبكة، كبعض التطبيقات مثل غوغل وتويتر. كما برز توظيف برامج خاصة تعمل على فكفكة القيود التي تتعلق بالشبكة، ومنها خدمة vpn لضمان شبكة خاصة افتراضية تعمل على التخلص من وجود شبكة وسيطة بين المتلقي والمزود، وتضمن حجب عنوان المتلقي ip، وتعمل على فتح الصفحات المحجوبة، وحماية سرية المعلومات والخصوصية، والخلاصة يبدو المستقبل منفتحا على احتمالات عديدة لا حصر لها، وأصبح قطع الإنترنت أثناء الاضطرابات، واحتكار الأخبار وحجب التكنولوجيا التواصلية، مسببا لنتائج عكسية تثير السُخط على نطاقٍ واسع، وهي إجراءات تصب في النهاية في بحيرة القمع الرقمي الذي تنتهجه دول وأنظمة استبدادية.

مقالات ذات صله