اليوم: الثلاثاء | التاريخ: 2019/11/19

إيجابيات وسلبيات الإستثمار في العملات المشفّرة

إيجابيات وسلبيات الإستثمار في العملات المشفّرة

د. روبرتو دي بيترومن بين العديد من الثورات التكنولوجية التي طرأت منذ البدء في استخدام الأموال النقدية، أثبتت آليات تكنولوجيا المعلومات، التي تشهد تطورًا سريعًا، إمكانياتها القوية في التأثير على طريقة تعاملنا مع الأموال نفسها وفهمنا لوظيفتها.

وبعدما قطعنا خطوة إضافية على طريق الابتعاد عن مفهوم النقد الإلزامي، وهو استخدام عملة ليس لها قيمة جوهرية، فقد ساهم انتشار أجهزة الحاسوب وتوافر خدمة الاتصال بالإنترنت على نطاق واسع في تعزيز إمكانية امتلاك أموال تُصنَّف على أنها إلكترونية فحسب. وتعود جذور المحاولات التي بُذلت لإنتاج هذه العملة النقدية إلى تسعينيات القرن الماضي، مع طرح الأنظمة النقدية الإلكترونية مثل نظام النقد الإلكتروني “eCash”، الذي خرج من الخدمة سريعًا بفعل عدم إقبال الزبائن والتجار عليه، إلى جانب القيود التكنولوجية التي أعاقت استخدامه.

ولكن في انتظار معالجة القيود الأساسية التي تحول دون استخدام العملات الرقمية مثل الإنفاق المُضَاعَف، عبر توظيف طرق مبتكرة على غرار تطوير تكنولوجيا سلسلة البيانات، أصبحت الأشكال الجديدة للعملة الرقمية ومن بينها البيتكوين منتشرة وشائعة الاستخدام. ولم يُلحظ انتشار عملة البيتكوين، التي انطلقت رسميًا في عام 2008، لفترة طويلة من الزمن، حيث وُصِفت بأنها “تصور غريب”. بيد أن الارتفاع السريع لمعدل استخدام هذه العملة وقيمتها السوقية قد أدهش العديد من الجهات المؤسسية ولفت انتباه شركات الأعمال، والمستثمرين، وعامة الجماهير، ليحوز فيما بعد اهتمام الحكومات وصانعي السياسات.

الإيجابيات والسلبيات

رغم وجود عملات مشفرة على غرار البيتكوين منذ فترة غير وجيزة، لا يوجد حتى الآن اتفاق عام حول ما إذا كانت هذه العملات تُعدُ استثمارًا قائمًا على المضاربة ومحفوفًا بالمخاطر، أم أنها قادرة على الاحتفاظ بقيمتها، أو أنها بالأحرى وسيلة لارتكاب أنشطة غير قانونية، فضلًا عن إمكانية استبدالها للعملات الورقية في المستقبل القريب. ولكن استخدام هذه العملات يتزايد مع مرور الوقت بكل تأكيد، نظرًا لبعضٍ من مميزاتها الجذابة.

وتتوزع البنية الداعمة لتداول البيتكوين وفقًا للتصميم الأصلي لهذه البنية، ومن ثم لا يمكن لهيئة واحدة أن تديرها أو تتحكم فيها بمفردها، وهو ما يجعلها وسيلة تداول أكثر أمانًا. وتعزز الأدوات الحسابية والخوارزميات الأخرى التي تعتمد عليها هذه العملة الرقمية من أمانها. علاوة على ذلك، تساهم الطبيعة السهلة والسريعة للتعاملات بالعملة على المستويَّين الوطني والدولي في جعل البيتكوين خيارًا مناسبًا لشركات الأعمال والمؤسسات التي تركز على السرعة في معاملاتها. وأخيرًا، يكون تداول “العملات” مقيدًا بالخوارزميات الأساسية، وبمجرد الوصول إلى طاقة الاستيعاب القصوى، لا يمكن زيادة هذه الطاقة. ولهذا السبب، تتميز البيتكوين بأنها عملة قابلة للانكماش، ومقاومة للتضخم، لأن توافر هذه العملات يقتصر على 21 مليون وحدة فقط.

وعلى الرغم من وجود مناصرين لاستخدامها، تتعرض البيتكوين كذلك لمعارضة قوية، حيث يرى النقاد أنه لا توجد أي “قيمة حقيقية” لهذه العملات المشفرة التي يمكن أن تعرض المستثمرين الذين يستحوذون عليها للخطر. بالمثل، تشكل المخاطر المتمثلة في إمكانية استخدام البيتكوين لممارسة أنشطة غير قانونية تهديدًا خطيرًا للأمن القومي، وإذا ما وقعت هذه العملات في أيدي المشبوهين، يمكن أن يترتب على استخدامها بعض التداعيات الخطيرة. وأخيرًا، يعارض النقاد كذلك التركيز الذي يحدث بسبب خضوع حوالي 80% من العملات الرقمية المعروضة لسيطرة عدد قليل من الكيانات، ويدعون لتنظيم هذه الصناعة.

وقد بدأت بعض الدول في مناقشة كيفية تنظيم استخدام العملات المشفرة وما إذا كان يمكن القيام بذلك، بينما هددت دول أخرى، من بينها الهند والصين، بحظر معاملات البيتكوين، في حين شرعت دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، مؤخرًا، في مناقشة هذه القضية. ولكن النظرة الفاحصة للمخاطر المتوقعة والقيود المذكورة تظهر أن معظم الحجج المستخدمة لانتقاد البيتكوين يمكن أن تُستخدم كذلك في حالة النقود الورقية، على النحو الذي نستعرضه فيما يلي.

وإذا لم يكن لعملات البيتكوين “قيمة حقيقية”، فإنها تشترك في هذه الخاصية مع الأموال النقدية، التي تعتمد على مصداقية حكومة الدولة في تقديرها لقيمتها. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى أوضاع لا تستحق فيها الأموال النقدية حتى مجرد أن تُطبَع على الورق، كما حدث في ألمانيا إبان فترة جمهورية فايمار في ثلاثينيات القرن الماضي، أو مثل ما حدث فنزويلا، مؤخرًا، حينما ارتفعت معدلات التضخم إلى 1.698.488% خلال عام 2018، وهو ما جعل السلع الأساسية خارج نطاق القوة الشرائية للمواطنين. وتُمثل البيتكوين خيارًا أفضل ضمن فئة العملات التي ليس لها قيمة حقيقية، بسبب طبيعتها القابلة للانكماش. ويمكن تطبيق المنطق نفسه على التهديد المتمثل في إمكانية استخدام العملات المشفرة لأغراض غير قانونية أو مؤذية. وتُعدُ البيتكوين مجرد وسيلة، تمامًا مثل الأموال النقدية، التي يمكن أن تُستخدم بالفعل على نطاق أكبر نسبيًا لتمويل مثل هذه الأنشطة.

الخاتمة

من وجهة نظر استراتيجية، تشكل العملات المشفرة ظاهرة لم يسبق التطرق لها، حيث أنها طرأت بفعل التطور التكنولوجي غير المسبوق. وعلى هذا النحو، فإننا نقف في منطقة غير مألوفة لديها القدرة على إرباك القطاع المالي. ومن المنظور التكتيكي، صحيح أن العملات المشفرة لديها بعض القيود، ولكن هذه القيود ليست أكثر حدة عند مقارنتها بالأموال النقدية على وجه الخصوص. وصحيح أن العملات المشفرة تشكل تهديدًا على المستوى الوطني، ولكن تمييز هذه التهديدات قد يتأثر بدوافع أخرى. فعلى سبيل المثال، يؤدي عامل غياب السيطرة واللا مركزية في حالة العملات المشفرة إلى حرمان الحكومات من القدرة على ممارسة السياسات النقدية والسيطرة على تدفق المعاملات (لا سيما التسويات الدولية، والتلاعب بالعملة على المستوى الوطني، مثل انخفاض القيمة التنافسية).

وسيكون من الشيق أن نرى كيف سيجد الصراع المستمر بين هذا الابتكار وصناع السياسات تركيبة لحل هذه المشاكل، وكيف ستشارك الأطراف المعنية المختلفة في هذه العملية. وستكون المؤسسات الأكاديمية والبحثية التي تعكف على تطوير التكنولوجيا اللازمة لمنع الاستخدام غير القانوني للعملات المشفرة من الأطراف الرئيسية في تحديد مستقبل البيتكوين والعملات المشفرة المشابهة.

مقالات ذات صله