آخر تحديث: السبت | التاريخ: 2020/06/06

تقرير نون بوست: “وكر أبناء زايد للجاسوسية” .. القصة الكاملة

تقرير نون بوست: “وكر أبناء زايد للجاسوسية” .. القصة الكاملة
محمد بن زايد
المكان: مطار مهجور في أبو ظبي.

الزمان: 2008.

الحدث: بناء قاعدة كبيرة تضم عشرات الخبراء الأجانب يقودها خبير أمريكي.

الهدف: التجسس على بعض الدول المجاورة وعدد من المسؤولين الدوليين بما فيهم قادة اتحاد الفيفا وأمير قطر وشقيقه وناشطون إماراتيون وسعوديون.

تحت عنوان “صنع في أمريكا” كشفت وكالة “رويترز” عبر سردها لحكاية مسؤول سابق في المخابرات الأمريكية، قصة وكر التجسس الإماراتي الذي بات علامة مسجلة باسم أبناء زايد، حيث أسس هذا المسؤول وحدة تجسس داخل البلاد بطلب من حكام أبو ظبي.

ليست هذه المرة الأولى التي يكشف النقاب فيها عن وكر الجاسوسية الأكبر في المنطقة، ففي ديسمبر 2018، كشفت مؤسسة “سكاي لاين” الدولية، دفع الإمارات مبالغ مالية طائلة لأغراض التجسس على مواطنيها، واختراق مؤسسات إلكترونية وإقليمية ودولية.

التقرير تحدث عن استئجار الشركة الإماراتية 400 خبير من خارج الإمارات (تصل رواتبهم إلى نصف مليون دولار) لتنفيذ عمليات تجسس ضخمة على مواطنيها بشكل رئيسي، ومن ثم محاولة اختراق حسابات النشطاء في الخارج، لافتًا إلى تعاون وثيق جرى بين الشركة وقراصنة أمريكيين لأهداف سيبرانية عالمية، مثل ضرب أهداف معينة أو بناء أنظمة تجسس عالمية لتعقّب بعض الأشخاص أو الأعمال.

ريتشارد كلارك.. كلمة السر

بعد أحداث 11 من سبتمبر/أيلول 2001 خيم على الشارع الأمريكي فوبيا الإرهاب، ما دفع المؤسسات القومية هناك لبحث إستراتيجيات المواجهة، وكان من بين الذين تصدروا المشهد آنذاك القيصر الأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب ريتشارد كلارك، الذي حذر الكونغرس من أن البلاد تحتاج إلى مزيد من سلطات التجسس الموسّعة لمنع وقوع كارثة أخرى.

لكن يبدو أن الفكرة لم تلق قبول البرلمان الأمريكي، وإن ظلت تسيطر على خيال وفكر القيصر، وبعد خمس سنوات تقريبًا من مغادرته الحكومة، استغل الرجل علاقته القوية بحكام أبو ظبي ليبدأ في نقل فكرته من بلاده إلى الإمارات، حيث التمويل الضخم المتوقع والنتائج المتوقعة وفق خطته الموضوعة.

عام 2008 بدأ كلارك رحلته لتنفيذ مشروعه، حيث ذهب للعمل كمستشار بالإمارات التي كانت تسعى في هذا التوقيت لفرض طوق مخابراتي أكبر على المعارضين لها، منظمات وأشخاص، وهنا التقت أهداف الدولة الخليجية مع طموحات الخبير الأمريكي ومن ثم أُسست وحدة سرية للتجسس تحمل اسم “DREAD”.

نجح كلارك الذي عمل كأحد أبرز صقور مكافحة الإرهاب في إدارتي بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، في توسيع وحدته السرية لتضم فيما بعد عملاءً سابقين في وكالة الأمن القومي وغيرهم من قدامى المحاربين الأمريكيين من المخابرات الأمريكية، وإن لم تتطرق “رويترز” لعددهم الحقيقي إلا أن مصادر أخرى تشير إلى أن العدد يقترب من 400 خبير من جنسيات مختلفة في مجال مكافحة الإرهاب السيبراني.

كان كلارك أحد أبرز الأسماء التي ساعدت في ظهور محمد بن زايد للأضواء وتعزيز نفوذه

وفي مقابلة أجريت معه في واشنطن، قال كلارك إنه بعد التوصية بأن تنشئ الإمارات وكالة مراقبة إلكترونية عُينت شركته Good Harbour Consulting لمساعدة البلاد على بنائها، موضحًا أن الفكرة تكمن في إنشاء وحدة قادرة على تعقب الإرهابيين، والخطة أقرتها وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة الأمن القومي، وأن Good Harbour اتبعت القانون الأمريكي.

ووفق تحقيق رويترز فإن ما لا يقل عن خمسة من قدامى المحاربين في البيت الأبيض يعملون لدى كلارك في الإمارات، سواء في DREAD أو في مشاريع أخرى، بينما تنازلت Good Harbour عن DREAD عام 2010 لمقاولين أمريكيين آخرين، تمامًا كما بدأت العملية في اختراق الأهداف بنجاح.

كانت الأهداف المعلنة ابتداءً عند تدشين هذه الوحدة تتمحور حول محاربة الإرهاب ومناهضة التنظيمات المسلحة، وتطورت بعد الربيع العربي في 2011 إلى تعزيز نفوذها بما يحول دون وصول الاحتجاجات الشعبية إلى البلاد، لكن سرعان ما تطورت لتتجاوز الخطوط الحمراء، حيث انطلقت إلى ملاحقة المعارضين ومجموعات حقوق الإنسان وعدد من المسؤولين الدوليين.

واستندت الوكالة الإنجليزية في تحقيقها إلى فحص أكثر من 10000 وثيقة لبرنامج DREAD، وقابلت أكثر من عشرة مقاولين وعملاء استخبارات ومطلعين حكوميين سابقين، لديهم معرفة مباشرة بالبرنامج، وتمتد الوثائق التي استعرضتها الوكالة على مدار عقد تقريبًا من البرنامج الذي بدأ عام 2008، وتشمل مذكرات داخلية توضح لوجستيات المشروع وخططه التشغيلية وأهدافه.

ربما كان كلارك أحد أبرز الأسماء التي ساعدت في ظهور محمد بن زايد للأضواء وتعزيز نفوذه، ففي الأشهر التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق عام 1991 أُرسل الخبير الأمريكي وهو في الأصل دبلوماسي كبير إلى الخليج لطلب المساعدة من الحلفاء الإقليميين، وحينها برز اسم MBZ.

ووجد ابن زايد في الدبلوماسي الأمريكي بابًا كبيرًا لتقديم نفسه للأمريكان، وكان القربان آنذاك 4 مليارات دولار دفعتهم الإمارات للمجهود الحربي الأمريكي، وهو ما كشفه كلارك عندما تساءل الكونغرس عما إذا كان ينبغي على واشنطن أن تسمح ببيع أسلحة بقيمة 682 مليون دولار إلى الإمارات.

وهناك علق الخبير الأمريكي قائلًا: “لقد حولوا 4 مليارات دولار إلى وزارة الخزانة الأمريكية لدعم المجهود الحربي، هل هذا هو نوع الأمة التي يجب أن نتخلى عنها بحرمانهم من 20 طائرة هليكوبتر هجومية؟ لا أعتقد ذلك”، وبالفعل حصلت الإمارات وقتها على المروحيات.

قائمة المستهدفين

تنوعت قائمة من تستهدفهم لجنة التجسس الإماراتية، ما بين محليين وأشقاء ودوليين، هذا بجانب بعض المنظمات الإقليمية والدولية، كانت البداية بملاحقة المعارضين، كما تطرق التحقيق، فمع بزوغ فجر الربيع العربي كثفت الإمارات تجسسها الرقمي ضد المتظاهرين المناوئين لسياسات النظام، حيث اعتقلت العشرات منهم، أشهرهم الناشط الحقوقي أحمد منصور، المعتقل حتى كتابة هذه السطور في السجون الإماراتية.

الأمر تجاوز المعارضين للنظام إلى الحلفاء الإقليميين على رأسهم المملكة العربية السعودية، ولعلها النقطة التي عززت الخلاف بين الدولتين خلال الآونة الأخيرة، وإن لم يظهر للعلن، حيث كشفت الوثائق التي استندت إليها رويترز مساعي وكر التجسس لمراقبة بعض الشخصيات السعودية في الداخل والخارج، ذكر منهم الناشطة لجين الهذلول، هذا بجانب نشطاء إيرانيين كذلك.

في يناير 2018 كشف موقع “أسرار عربية” امتلاكه وثائق تثبت تورط أبو ظبي في إنشاء شبكة تجسس “عملاقة” في تونس، يديرها جهاز أمن الدولة الإماراتي

كما احتلت قطر النصيب الأكبر من حملة التجسس الإماراتية ولعل هذا ما يعكس حجم وطبيعة ما يكنه نظام ابن زايد للقطريين، حكومة وشعب، حيث كان الهدف سحب تنظيم قطر لمونديال 2022، وهو الملف الذي طالما أثار حفيظة الإماراتيين أكثر من مرة، الأمر الذي عكسته تصريحات مسؤولين كبار في النظام هناك يأتي في مقدمتهم وزير الخارجية أنور قرقاش الذي ألمح إلى مشاركة بعض دول الخليج لقطر في تنظيم هذه البطولة.

الوثائق المسربة كشفت أنشطة تجسس مكثفة قامت بها الإمارات عبر برنامج DREAD على أعضاء حملة قطر للحصول على المونديال: جاك وورنر وأحمد نعمة، وأموس أدامو وعيسى حياتو وجاك أنوما ونيكولاس ليوز، المسؤولون السابقون في الاتحادات القارية والفرعية.

وجاء من بين الأسماء أيضًا الشيخ محمد بن حمد، شقيق أمير قطر، وحسن الذوادي أمين عام اللجنة المسؤولة عن تنظيم قطر للمونديال، وخالد الكبيسي المسؤول في اللجنة المنظمة وفديرة المجد مسؤولة الاتصال السابقة ومحمد بن همام العضو السابق في الفيفا.

باع طويل في الجاسوسية

للإمارات تاريخ طويل من التجسس على جيرانها، فلم يقتصر الأمر على قطر أو إيران أو حتى الحليف السعودي، ففي مايو الماضي تمكّنت أجهزة الأمن العُمانية من الحصول على معلومات عن شبكة تجسّس إماراتية تنشط ضد السلطنة، حيث كشفت تدخل حاكم دبي محمد بن راشد، شخصيًا في ملف الشبكة، الأمر الذي أحدث حالة من التوتر في العلاقات بين البلدين، استمر حتى الآن وإن كان تحت الرماد.

وفي التوقيت ذاته تقريبًا اعتقلت قوات الأمن الصومالية شبكة تجسس إماراتية أخرى تعمل لصالح أجندة أبناء زايد في الصومال تحديدًا وفي القرن الإفريقي على وجه العموم في ظل صراع النفوذ في هذه المنطقة الإستراتيجية من القارة الإفريقية، وهي الحادثة التي كان لها تبعات فيما بعد.

وفي يناير 2018 كشف موقع “أسرار عربية” امتلاكه وثائق تثبت تورط أبو ظبي في إنشاء شبكة تجسس “عملاقة” في تونس، يديرها جهاز أمن الدولة الإماراتي، في محاولة للتأثير على الحياة السياسية في البلاد، وقال الموقع، إن الوثائق والمراسلات التي حصل عليها والمسربة من دولة الإمارات، كشفت تورط شخصيات كبيرة في تونس، من بينها الرجل الثاني في حزب نداء تونس محسن مرزوق، مشيرًا إلى أن الشبكة تجسست على الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي وحركة نداء تونس التي يتزعمها، إضافة إلى حركة النهضة وأعضاء في البرلمان.

أنفاس الإماراتيين محبوسة

حرص ولي عهد أبو ظبي منذ الوهلة الأولى لتنصيبه على فرض قبضته على المشهد السياسي في بلاده، حالمًا بالتفرد بحكم الدولة التي يسعى لتوسعة دائرة نفوذها في المنطقة بشتى السبل، المشروعة منها وغير المشروعة، مستندًا في ذلك إلى ما تتمتع به من نفوذ مالي كبير.

في فبراير 2016 أطاح محمد بن زايد بأخيه الشيخ هزاع من رئاسة جهاز أمن الدولة ليعين نجله اللواء خالد بدلًا منه، في خطوة وصفت بأنها محاولة لتعزيز قبضته على الجهاز الأمني المسؤول عن رصد المخاطر الأمنية، وإدارة كُل برامج التجسس، وعلى مدار الأعوام الثلاث الماضية نجح في التوسع في استخدام برامج التجسس ورفع مهارات مئات الضباط الإماراتيين في استخدام هذه التقنيات وتكنيكات التجسس خارج بلدانهم.

العام الماضي نشرت “صحيفة نيويورك تايمز” تقريرًا كشفت من خلاله استخدام أبو ظبي برامج تجسس إسرائيلية لمراقبة عموم الشعب الإماراتي، خاصةً الناشطين السلميين، وبالتحديد نظام “عين الصقر”، تزامن ذلك مع تصاعد الانتقادات الموجهة لحكومة الإمارات بسبب القيود المفروضة على الحريات العامة والتجسس على المواطنين والمقيميين على حد سواء.

“قد يبدو الأمر مستغربًا لدى الكثيرين من خارج المنطقة، إلا أن دبي وأبو ظبي من أكثر المدن المراقبة في العالم” الباحثة الأمريكية ياسمين بحراني

وقد أظهرت الرسائل الإلكترونية المسربة والمتبادلة بين الشركة الإسرائيلية ومسؤولين إماراتيين كبار بشأن تحديث تقنيات التجسس، أن الإماراتيين كانوا يسعون لالتقاط المكالمات الهاتفية لأمير قطر منذ عام 2014، كذلك أظهرت طلب الإماراتيين التقاط المكالمات الهاتفية للأمير السعودي متعب بن عبد الله قائد الحرس الوطني السابق، الذي وصفته الصحيفة بأنه كان منافسًا محتملًا على العرش.

وفي 11 من سبتمبر الماضي، قدمت الباحثة الأمريكية أستاذة الصحافة في الجامعة الأمريكية بدبي، ياسمين بحراني، شهادة صادمة بشأن حدة المراقبة والتجسس في دولة الإمارات التي باتت واحدة من أكثر دول العالم قمعًا، حيث قالت في مقال نشرته “صحيفة واشنطن بوست” الأمريكية، إن عيون حكومة الإمارات تراقب مواطنيها والأجانب المقيمين فيها عن كثب، ودبي وأبو ظبي من بين أكثر المدن رصدًا لأنفاس سكانهما في العالم.

بحراني سردت تجربتها في الإقامة بالإمارات وما تعرضت له من عمليات تعقب وترقب لحركاتها وسكنتها، مضيفة “قد يبدو الأمر مستغربًا لدى الكثيرين من خارج المنطقة، إلا أن دبي وأبو ظبي من أكثر المدن المراقبة في العالم”، وتابعت: “في أبو ظبي وحدها هناك زهاء 20 ألف كاميرا أمنية منتشرة في المدينة لرصد 1.5 مليون شخص، بينما لدى دبي نحو 35 ألف كاميرا تراقب 2.8 مليون من سكانها”، مستنكرة هذا الرقم الكبير الذي قارنته على سبيل المثال بواشنطن التي لا يتجاوز عدد كاميرات المراقبة بها 4 آلاف كاميرا.

وهكذا تتواصل عروض مسلسل إسقاط الأقنعة المتتالية عن الوجه القبيح للسياسات الإماراتية التي فرضت نفسها كـ”وكر للتجسس” على مواطنيها والجيران والعالم، لتضرب بعرض الحائط ما تسعى لترويجه بشأن الصورة الزائفة التي تحترم الجميع، في الوقت الذي تتصاعد فيه موجات الإدانات الدولية بشأن سجلها الحقوقي المشين.

مقالات ذات صله