آخر تحديث: الأحد | التاريخ: 2020/09/20

ملائكة وضحايا .. ساعدني كي تقع في فخي (2)

ملائكة وضحايا .. ساعدني كي تقع في فخي (2)

محمود الجديد – مؤسس هتس نت – في الحلقة الأولى من ساعدني كي تقع في فخي تطرّقنا سريعاً إلى نصائح أمنية ولكن بشكل عكسي، وهكذا سنستمر، إلا أنني في الحلقات القادمة سأسلط الضوء على كل جريمة إلكترونية أو خطر أمني على حدا لتأخذ ولو جزء بسيط من حقها .

في العالم الواقعي تصعد إلى الحافلة وتجد مِقعداً خالياً بجانب شخص تبدو عليه ملامح الإرهاق والتعب أو حتى العز والجاه والمنصب وتجلس بجواره، أنت لا تعرف من يكون هذا الشخص، بل ولا تعرف حتى إسمه، وحتى لو قال لك أنا إسمي “فلان”، فهل من دليل فعلي أنه “فلان” ولا يتقمص شخصية أحدهم؟.. ولأن الطريق طويل عادة ما يبدأ الحوار بأن السائق متهور.. أو أن حالة الطقس بارد جداً ويسألك عن توقعاتك حول حالة الطقس خلال الأيام القادمة كونه غير متابع للحالة الجوية، ولربما يسألك: “هذا الوجه مش غريب علي.. يمكن بعرفك” .. بغض النظر عن البداية إلا أنها مفتاح لسانك وقلبك معاً، ومن حديث إلى حديث يظهر لك هذا الغريب أنه ضحية زمن جائر، ودولة ظالمة، أو أنه قادر على مساعدتك في كثير من الأمور كون علاقاته “واسعة للغاية” تصل حتى الديوان الملكي أو الرئاسي .. لا علينا بتفاصيل الحديث، ينتهي الأمر بتبادل أرقام الهواتف وتستمر العلاقة إلى أن تثق بهذا الشخص الغريب، ولكن ! بعد فوات الأوان تكتشف أنك كنت أنت الضحية لا هو، فالأموال التي اخذها منك وبرضاك في سبيل مساعدتك أو شفقتك عليه كمظلوم لم يعد بالإمكان إسترداد أي منها، ولو كان هناك علاقة عاطفية تطوّرت مع الزمن فقد وقعت ضحية إبتزاز جنسي .

إن كنت وفي العالم الواقعي غير قادر على حماية نفسك من أسلوب الهندسة الإجتماعية الذي يستخدمه المحتالون، فكيف ذلك في العالم الإفتراضي والذي يحتوي ألف طريقة وطريقة في إخفاء هوية المحتال والمبتّز.

في حادثة قريبة انتشر فيديو لا أخلاقي ما بين فتاة وشاب، في النهاية من قام بتصوير هذا الفيديو هو الشاب نفسه بواسطة أصدقاءه لإبتزاز تلك الفتاة، والفتاة تقول “راودني عن نفسي وضعفت” .. وذلك بعد مراحل من الإبتزاز المالي والجسدي، لا يقع عليك عزيزي القارئ تبرئة الفتاة كونها الحلقة الأضعف، فلو كانت واعية ومثقفة وملتزمة بأخلاق مجتمعها ودينها الذي تدين به، لما وصل الحال إلى ما آل إليه، النتيجة الشاب والمصوّر في السجون، وهي يعرفها القاصي والداني كفتاة بلا شرف في مجتمع لا يرحم المخطئ في هكذا حالات إن كانت فتاة، فيما يعتبر أن خطأ الشاب ما هو إلا نزوة و”حالة طيش”، هذه ليست دعوة للرذيلة، إنما واقع أفهمه أنا وأنت، فالخطأ خطأ أياً كان من ارتكبه، ولا عذر لأي طرف إلا أقبح من الذنب نفسه.

من خلف الشاشات، يمكنني إستخدام الإسم الذي أريد، والصورة التي أريد، بل وحتى الدولة التي أريد، وأتخفى خلف شبكة إفتراضية خاصة تصعّب من عمل الأجهزة الأمنية، بل وأحمل رقم هاتف وهمي للدولة التي أريد وأتواصل من خلاله، وحتى لو زوّدتك برقم حساب بنكي في دولة ما وبإسمي، فهذا لا يعني أنني أقيم فيها، فهناك خدمات تتيح لك الحصول على عنوان ورقم هاتف وحساب بنكي في دولة ما، ماذا تبقى كي لا تصّدقني؟

في كل ورشة عمل، وفي كل محاضرة، حضرتها أو كنت محاضراً فيها، دائماً ما كنت أردد أنا وزملائي “لا تثق بمن خلف الشاشات، فأنت لا تعرف من هو وما الذي يسعى إليه تحديداً”، هذه ليست دعوة لأن تفقد الثقة في الناس، على العكس تماماً هناك أشخاص طيبون وأصحاب نوايا حسنة وهدفهم التعارف وتبادل الخبرات، ولكنهم وبكل أسف أقلية.

مهما كان موقع التواصل الإجتماعي الذي تستخدمه، قد يأتيك طلب صداقة من غريب، الطبيعي أن ترفض الطلب حتى ولو كان هناك أصدقاء مشتركين فيما بينكم، هي حيلة لأصل إليك، أصل المسألة كي أكسب ثقتك أولاً فعلي إضافة مجموعة من أصدقائك، كي تقول في قرارة نفسك، ما دام صديقاً لأخي فأنا في أمان، ما الذي يمنع أن تتصل بشقيقك هاتفياً وتسأله عن “فلان” هل تعرفه حق المعرفة؟ مكالمة هاتفية واحدة جديرة بحمايتك.

قد أقوم بإنشاء بروفايل طبق الأصل عن بروفايل لصديق ضمن قائمة أصدقائك، وأرسل لك طلب صداقة، الوضع الطبيعي أن تقبل الصداقة كونك تعرفني، ولكن ألم تسأل نفسك لماذا أنشأ صديقي حساباً جديداً؟ هل فقد حسابه القديم؟ هل لديه مشكلة ما؟ .. أيضاً مكالمة هاتفية صغيرة مع صديقك لتسأله إن كان فعلاً قد أرسل لك طلب صداقة أم لا، كفيلة ليست بحمايتك أنت فقط، بل وحماية صديقك ليعمل على التبليغ بانتحال شخصيته.

تردك رسالة واتساب مني أنني في ورطة الآن وبحاجة عاجلة للمال، قبل أن تستخدم بطاقتك الإئتمانية للتحويل له، إتصل بصديقك.. ما الذي يدريك إن كان حسابه مخترقاً من طرف ثالث أم لا؟

قد تسأل، أنك تخفي قائمة أصدقائك عن المجهولين، وبالتالي لا خوف من أن يقوم أحدهم بانتحال شخصية أحد أصدقائك كونه لا يعرفهم، على العكس تماماً هناك طريقتين في فيسبوك مثلاً لمعرفة من هم أصدقاؤك، إما من خلال مراجعة قائمة المعجبين بإحدى منشوراتك، كونك لا تتحكم بخصوصية المنشورات، أو بالتعليقات عليها، أو بمجرد إنشاء حساب جديد وإرسال طلب صداقة لك، حينها سيقترح علي فيسبوك جميع أصدقائك دفعة واحدة، الأمر في منتهى البساطة أليس كذلك؟

إن كنت من المؤثرين، أي من يهمك أن يتابعك الآلاف والتحدث من الغرباء، كون طبيعة صفحتك أو حسابك تتطلب ذلك، فعليك تحديد ما يمكن أن تسمح للآخرين بمعرفته عنك وما لا يمكن، إن أولى خطوات الدفاع هي التحكم في خصوصيتك، إترك مساحة خاصة لك، بينك وبين نفسك، وأكبر خطأ يرتكبه الآخرين بقولهم “ليس لدي ما أخفيه”، لا تكن بيتاً مهجوراً يدخله كل من هب ودب وقتما يشاء ويخرج منه وقتما يشاء، كم من حوادث سرقة المنازل تمت لأن “فلان” نشر أنه في منتجع مع عائلته خارج المنزل، بل وكم من جريمة قتل حدثت لأن المغدور حدّد موقعه بالضبط وسهّل المهمة على من يتربّص به؟

لا يكاد يمر يوم إلا ويتواصل معي أشخاص يطلبون المساعدة ولكن بعد فوات الأوان، وقعوا في غمار “حب إفتراضي” ثم إبتزاز، ثم بدأوا في البحث عن المساعدة، المساعدة في هذه اللحظات تحديداً محدودة للغاية وتتطلب تدخّل أمني، كون الصور والفيديوهات الحميمة أصبحت بحوزة المجرم، لا أحد يمكنه توّقع متى سينشرها وأين ولأي من أصدقاء وأهل الضحية، وفي حالات كثيرة في المجتمعات المحافظة جداً قد يكون سبباً في إنهاء حياة الضحية.

بدل اللجوء لأصحاب الخبرة في المجتمع المدني والأجهزة الأمنية وبكل أسف تبدأ/يبدأ الضحية بالبحث عن هاكر ليقوم باختراق جهاز المبتز وحذف الصور ومقاطع الفيديو، وهنا دخلنا في مرحلة جريمة إلكترونية جديدة وهي الإحتيال.. يدّعي ذلك الهاكر قدرته على فعل ذلك لكن بمقابل مادي، وبعد أن يحصل على المال يتوارى عن الأنظار، وهنا أصبحت الضحية ضحيتين والجريمة جريمتين، ليس هنا فحسب، بل إن مجرد إرسال أموال لشخص بغرض إختراق شخص جعل من الضحية مشتركاً في جريمة إلكترونية يعاقب عليها القانون، وحتى لو افترضنا ضمنا -وهو بعيد جداً- أن هذا هاكر حقيقي وليس محتال واستطاع حذف الصور ومقاطع الفيديو، ألا يمكن للمجرم أن يكون لديه نسخة إحتياطية؟، ولو افترضنا أنه لا يملك نسخة إحتياطية، ألا يمكنه استخدام إحدى البرامج الخاصة في استعادة الملفات المحذوفة؟

وفي الختام، صحيح أننا سمعنا عن علاقات عاطفية إنتهت بالزواج عبر العالم الإفتراضي، إلا أنها محدودة للغاية ولا تكاد تتجاوز الواحد بالمئة ألف، الحب لن تجديه لا أنتِ ولا أنتَ في العالم الإفتراضي، لا تخدع نفسك أكثر، يكفي إلى هذا الحد، إنظر إلى ما يقوله فؤادك لا قلبك.. واستمع للحقيقة التي تحاول أن تتجاهلها برغم من النداءات المتتالية من داخلك، مرة أخرى لا تخدع نفسك أكثر.

وأخيراً إن شئت مساعدتي في اختراقك .. وارتكاب جريمتي التي ستؤذيك مادياً ونفسياً وربما تودي بحياتك .. فاقبلني صديقاً لديك.. واترك ما تبقى للهندسة الإجتماعية لتفعل ما يجب .. وتجنّب إحترام خصوصيتك .. واترك كل شيء للعامة وكن كالكتاب المفتوح يقرأه أياً شاء وقتما يشاء .. ولا تحاول حماية جهازك بمضاد فايروسات وجدار ناري كي أتمكن من إختراقه بسهولة وسحب صورك وفيديوهاتك وابتزازك بها، أو تشفير ملفاتك الهامة جداً وأطلب منك أن تدفع لي بعملة البتكوين لأقوم بإعطاءك مفتاح فك التشفير لتستعيد ملفاتك.. وحتى لو دفعت لي.. فربما لا أكون كريماً وأمنحك مفتاح فك التشفير.

مقالات ذات صله