آخر تحديث: الجمعة | التاريخ: 2020/02/21

الجرائم الرقمية وخصائصها واستراتيجية الوقاية منها

الجرائم الرقمية وخصائصها واستراتيجية الوقاية منها

حرزالله محمد لخضر – باحث في العلوم السياسية – إن التطور التقني والرقمي الحديث أنتج تطبيقات ومظاهر جديدة اجتاحت مختلف مناحي الحياة، وبرزت إزاءها أشكال متنوعة لجرائم مرتبطة بسوء استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من بينها: جرائم التجارة الإلكترونية، الاتجار بالنساء والأطفال، الفساد الإداري، سرقة الخدمات المعلوماتية، القرصنة المعلوماتية، الإعتداء على خصوصيات الأشخاص، الإرهاب الإلكتروني، تخريب الأنظمة المعلوماتية والحاسوبية (الفيروسات)…الخ، إضافة إلى تنامي ظاهرة الغزو السايبراني وما أفرزته من مظاهر التثاقف والإنكشافية الإعلامية التي جعلت الفضاء الداخلي منفتحا على جميع المؤثرات الخارجية، مع عدم القدرة على التحكم في سعة وحجم التدفقات المعرفية وقوتها التأثيرية على عقول وسلوك المتلقين بسبب الترابط الشبكي المعقد بين الأشخاص، ولهذا أصبحت الأحداث الواقعة في أقاصي الأرض تلقي بظلالها وآثارها على الجانب الآخر، فظهرت التنظيمات والترابطات الشبكية العابرة للحدود، وهو ما شكل تحديا كبيرا على المؤسسات الأمنية والتعليمية والإجتماعية والأمن المجتمعي والفكري عموما.

وقد ارتبط الحراك الشعبي في بعض الدول العربية لاسيما الجزائر بموجة هائلة من الأراجيف والإشاعات التي غذتها مواقع التواصل الاجتماعي، فقامت بضخّ العديد من المصطلحات والمفاهيم والروايات والمواد الإعلامية الكثيفة عبر أسراب من الحسابات الوهمية المختصة في التشهير ونشر الدعاية والقذف والتنابز فيما سمي بالذباب الإلكتروني “وهو مجموعة من الحسابات الآلية المبرمجة على نشر منشورات أو تغريدات مُعيّنة وذلك بهدف التأثير في الرأي العام أو جلب الانتباه والنظر إلى فكرة ما مُقابل تهميش أخرى قد تكون ذات أهمية ويتم ذلك عن طريق روبوت مبرمج”. وهو ما تسبب في تفكيك الكتلة الصلبة للحراك وتشتيت الجهود وبث الرِّيَبِ في صفوف المحتجين، وكل ذلك كان عملا مقصودا.

إن التوظيف السلبي لمختلف الوسائط الرقمية كان له تبعات خطيرة على الوعي والفكر وعلى الآصرة المجتمعية، ويعود ذلك غالبا إلى جهالة أساليبها الذكية في التأثير على الرأي العام وتشكيل المفاهيم وإعادة هندسة الأفكار وتأطيرها ودفعها نحو المسارات والأهداف التي يريدها أصحابها، وهذا يدفعنا لمعرفة أهم الجرائم الرقمية الحديثة وخصائصها الناجمة عن تطور تكنولوجيا المعلومات والإتصالات.

أولا: أهم الجرائم الرقمية

يحدد كل من د.صافة أمنية في أطروحتها المعنونة بـ”آثار استعمال التكنولوجيا على أفراد الأسرة الجزائرية: دراسة للتأثيرات النفسية والاجتماعية والأخلاقية والصحية لاستعمال الأنترنت على أبناء الأسرة الجزائرية أنموذجا”. ود.إياس الهاجري في كتابه “أمن المعلومات على شبكة الأنترنت” أهم الجرائم المرتبطة بالبيئة الرقمية الحديثة في ما يلي:
1-النصب والإحتيال وترويج الرذيلة: كعروض البيع الوهمية ومواقع التسويق الكاذبة والمواقع الإباحية.
2-انتهاك حقوق الملكية الفكرية: كسرقة البحوث والدراسات العلمية التي أضحت آفة العصر خاصة في الأوساط الجامعية.
3-صناعة ونشر الفيروسات: بهدف الاختراق ومهاجمة المعلومات المخزنة بالكمبيوتر لتغييرها أو حذفها أو سرقتها أو نقلها إلى أجهزة أخرى، أو إلحاق الضرر بالكمبيوتر.
4-انتحال الشخصية: لغرض الاستفادة من مكانة تلك الهوية أو لإخفاء هوية المجرم لتسهيل ارتكابه جرائم أخرى.
5-استخدام المواقع المتخصصة في القذف وتشويه سمعة الأشخاص: بتلفيق الأخبار وترويج الأكاذيب التي تغري ضعاف النفوس.
6-تعطيل الأجهزة أو الشبكات: لمنعها من تأدية عملها بدون أن تتم عملية اختراقها.
7-التغرير والإستدراج والتهديد: عن طريق الإيهام بتكوين علاقات صداقة أو زواج أو تجارة بغرض التجنيد في مجموعات إرهابية أو لأخذ معلومات أمنية وغالبا ما يكون الضحايا من الأطفال.
 

ثانيا: خصائص الجرائم الرقمية

في دراسة للدكتور عبد المؤمن بن الصغير بعنوان: “الطبيعة الخاصة للجريمة المرتكبة عبر الأنترنت في التشريع الجزائري والتشريع المقارن”. أبرز خلالها أهم خصائص الجزائم الرقمية في ما يلي:
1- خفاء الجريمة وسرعة التطور في ارتكابها.
2- اعتبارها الأقل عنفا في التنفيذ.
3- جريمة عابرة للحدود السياسية والجغرافية.
4- سرعة محو الدليل وتغييب الجناة.
5- صعوبة الوصول إلى الدليل: بسبب برامج الحماية القوية وأساليب التمويه وتقنيات التشفير.
6- صعوبة ضبط جرائم المعلوماتية وتوصيفها قانونيا: لأنها تقع في فضاء إلكتروني يتسم بالتغيير والديناميكية والانتشار الجغرافي العابر للحدود.
7- فكرة الإختصاص والطبيعة الدولية للجرائم المعلوماتية: بسبب وقوع الجرائم من أطراف خارج الحدود، وهو ما يطرح الإشكال حول الاختصاص القضائي وما يتبع ذلك من إجراءات الملاحقة والتحري مع ضرورة احترام سيادة الدول

ثالثا: استراتيجية الوقاية من الجرائم الرقمية

وفي هذا الصدد يستوجب على المجتمعات والدول إعادة النظر في السياسات الأمنية والتعليمية وتحديثها بما يجعلها قادرة على استيعاب كافة المتغيرات الحديثة، وذات كفاءة عالية في مجابهة الأنماط الجديدة للإنحرافات والجرائم الإلكترونية التي تتسم بخصائص أكثر دقة وذكاء وخفاء وسرعة وتأثيرا على نفوس وعقول فئة الشباب خصوصا، الذين هم أكثر ضحايا هذه الوسائط الجديدة ومن أشد المتفاعلين معها. ولتحقيق الأمن الفكري في ظل الثورة الرقمية الحديثة، لابد من اتخاذ مجموعة من التدابير الاستباقية والاستشافية التي تشكل متكاملة: “استراتيجية لتحقيق الأمن الفكري والمجتمعي والمعلوماتي”، وذلك بالعمل على:

1- إعادة مراجعة المنظومة القانونية المتعلقة بالجرائم والجنح والجنايات وتكييفها مع مستجدات الواقع التكنولوجي الجديد.

2- تكثيف برامج التكوين للهيئات التعليمية والأمنية والقضائية في مجال التكنولوجيا المعلوماتية والرقمية وتزويدهم بالمهارات اللازمة قصد التحيين الدوري لمعارفهم وتمكينهم من معالجة الوضعيات التي تعترضهم بكفاءة أكثر.

3- ترقية الثقافة الرقمية لدى المجتمع من خلال تكثيف الحصص والبرامج التي تشرح مخاطر التوظيف السيئ للتكنولوجيا على الأفراد والأطفال خصوصا، وأساليب التحايل الرقمي في شتى الميادين: التجارة والأموال، الإبتزاز، انتحال الشخصية، التشهير، القرصنة، الاختراق، الألعاب، المواقع الجهادية والإباحية…الخ، مع تقديم إرشادات هامة حول الإجراءات اللازم اتخاذها للوقاية منها أو تدابير الحماية حال التعرض لمثل هذه الحالات.

4- تكييف البرامج الدراسية مع تطور البيئة الرقمية خاصة في المراحل الابتدائية بإحلال مواد تُعنى بالوعي الرقمي والتربية التكنولوجية وتعليم التلاميذ الاستعمالات الجيدة والسليمة للتكنولوجيا وتحذيرهم من عواقب وخطورة التوظيف الخاطئ.

5- ضرورة التركيز على التكوين المتخصص في “الإعلام الأمني” وترقية مهارات رجال الأمن في مجال التكنولوجيات بشكل مستمر لمواكبة التحديثات المستجدة.

6- وضع إطار تعريفي شامل للجرائم الحديثة والمتعلقة بمخاطر الإنترنت وتوعية الآباء بمدى خطورتها وعواقبها وطبيعتها وآثارها النفسية والاجتماعية والأخلاقية والأمنية على أبنائهم.

7- تنقيح وتهذيب المحتوى الإعلامي المقدم سواء على التلفزيون أو شبكات التواصل والإنترنت كحجب المواقع الإباحية والجهادية، ومنع الأفلام التي تروج لصور وحشية.

8- تكوين الأساتذة في مجال علم النفس التربوي وعلم نفس المراهق ومجال الإعلام الآلي لبيان آثار التكنولوجيات الرقمية الحديثة وسبل استثمارها في الميدان المعرفي والعلمي وكشف مخاطرها مع الاستماع لانشغالات الطلبة وتوجيههم نحو الرأي الصائب.

9- ضرورة الانتقال من الاستراتيجية الدفاعية إلى الاستراتيجية الوقائية الاستباقية، ومن الأمن الاجتماعي التقليدي إلى التفكير في الأمن الفكري والمعلوماتي والسايبراني، فمنطلق كل جريمة هو انحراف على مستوى الفكر.

10- التسويق الإعلامي للقيم الوطنية وتشجيع الجمعيات الشبابية التي تعنى بقضايا الشباب وتطلعاتهم وإنشاء خلايا الاستماع والتوجيه والنصح للشباب بما فيهم المنحرف، وذلك للانتقال من دور المتلقي والمتأثر إلى دور المؤثر.

مقالات ذات صله