آخر تحديث: الإثنين | التاريخ: 2021/12/06

هل كان لصناعة الألعاب دور فعلي في الحد من أثار جائحة كورونا؟

هل كان لصناعة الألعاب دور فعلي في الحد من أثار جائحة كورونا؟

على الرغم أن العديد من الناس – خاصة كبار السن – ينظرون لألعاب الفيديو على أنها مضيعة للوقت، وإهدار للجهد لا طائل من ورائه؛ إلا أن صناعة ألعاب الفيديو أصبحت تمثل أحد أكبر الصناعات حول العالم، إذ تُقدر القيمة السوقية لألعاب الفيديو في عام 2020 حوالي 160 مليار دولار، وهناك توقعات لتصل إلى أكثر من 200 مليار دولار في 2023، مما جلب اهتمام العلماء والباحثين بتجربة المستخدم وتصميم ألعاب الفيديو.

ومع ظهور الوباء في الآونة الأخيرة زاد الاهتمام بألعاب الفيديو خاصةً مع انتشار الحجر الصحي وآثاره المدمرة على الصحة النفسية، وهو ما أصبح يمثل مساراً وتخصصاً بحثياً يُطلق عليه “حركة الألعاب من أجل الصحة ــــــــــــــ G4h; Games for Health”؛ وقد أظهر هذا النشاط الأكاديمي حتى الآن كيف يمكن تصميم ألعاب الفيديو وتطويرها واستخدامها لعددٍ لا يحصى من الظروف الصحية مثل علاج السمنة، والخرف، ومشاكل الترابط الإجتماعي.

الوحدة وآثارها على الصحة خاصة عند كبار السن

في دراسةٍ من جامعة سيدني في أستراليا – أُجريت على ثلاث دول هي أستراليا وهولندا وفنلندا – أكدت على وجود ارتباطات بين الرجال الذين ليس لديهم أطفال وبين ضعف الصحة وظهور أمراض مثل الاكتئاب والتدخين المفرط وشرب الكحول وصعوبة النوم.

تقول أحد نتائج الدراسة أن “الأشخاص الذين ليس لديهم أطفال معرضون لخطر العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة وهو ما يؤدي إلى مجموعة من الأمراض النفسية والعضوية”. 

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز أن “الوحدة تؤدي إلى تدهور الصحة البدنية والعقلية”، وبالمثل ذكرت بي بي سي أن الوحدة هي “القاتل الخفي” لكبار السن. ويُعَرِّف المركز الوطني الأمريكي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية الوحدة على أنها “شعور سلبي مرتبط بقصور العلاقات الاجتماعية والشعور بالانفصال عن المحيط”. ويؤدي الشعور بالوحدة إلى مرض الزهايمر كما يحضّ الشخص للتفكير في الانتحار.

وفيما زادت جائحة كورونا انتشار الوحدة والعزلة بسبب الحجر الصحي؛ زادت كذلك الدراسات التي تبحث في دور التكنولوجيا – ومن بينها ألعاب الفيديو – التي تلعبه في البيئات المختلفة كوسيلة لاستمرار وتعزيز الروابط الاجتماعية وتقليل القلق الناجم عن المشاكل الاجتماعية والحد من أعراض ومشاكل العزلة والوحدة.

منظمة الصحة العالمية وشركات ألعاب الفيديو، يد واحدة بعد عداء طويل

في هذا السياق، كان تغير موقف منظمة الصحة العالمية نحو ألعاب الفيديو مثيراً للاهتمام، ففي الماضي قبل ظهور الوباء حذَّرت منظمة الصحة العالمية من طابع ألعاب الفيديو الخطير والذي يؤدي إلى الإدمان إلا أنها غيَّرت رأيها بعد ظهور فيروس كورونا للإشادة بتأثير ألعاب الفيديو الإيجابي ودوره في التواصل الاجتماعي.

ففي عام 2019، صنّفت منظمة الصحة العالمية إدمان الألعاب بأنه علامة على الاضطراب العقلي والتي أطلقت عليه “اضطراب الألعاب”، وحذرت الناس من إدمان الألعاب.

لكن في عام 2020، ناشدت منظمة الصحة العالمية الأشخاص للبقاء في المنزل وممارسة الألعاب بدلاً من الخروج لقضاء الوقت في الخارج. وبناء على هذا؛ وفي جهدٍ مشترك، دأبت شركات الألعاب الكبرى على نشر الرسائل الرئيسية لمنظمة الصحة العالمية لدعم الوعي وإبطاء انتشار الوباء.

وأطلق أكثر من 50 شخص من قادة صناعة الألعاب والترفيه التفاعلي مبادرة على هاشتاج #PlayApartTogether؛ لدعوة شبكتهم الواسعة من المستخدمين وتشجيعهم على اتباع الإرشادات الصحية التي تعلنها منظمة الصحة العالمية بما في ذلك التباعد الاجتماعي، والنظافة، وغيرها من الإجراءات الوقائية التي يمكن للأشخاص اتخاذها للوقاية من الفيروس.

وقال ريموند تشامبرز، سفير منظمة الصحة العالمية للاستراتيجيات العالمية “إنّ الألعاب يمكن أن تكون وسيلة مهمة للناس لاتباع إرشادات الصحة العامة”، كما شكر صناعة الألعاب على دورها في المشروع الجديد.

وفي لمحةٍ عن دور الألعاب في العموم وتكاملها مع الطب ومحورية ذلك في حياتنا بعد تفشي الوباء؛ عرض موقع banksy رسمة عند مستشفى ساوثهامبتون العام في جنوب إنجلترا؛ تحت عنوان “Game Changer” تُظهر صبياً صغيراً جالساً على الأرض يلعب بدمية ممرضة كبطل خارق، في حين أن ألعاب باتمان و سبايدرمان في سلة قمامة بجوار الصبي. 

ترتدي شخصية الممرضة، المرتدية للكمامة، تنورة بها صليب أحمر مشيرة إلى الصليب الأحمر والمنظمات الصحية، فيما انتشرت الصورة على نطاق واسع في وسائل الإعلام، باعتباره فناً يعبر عن التغيرات الكبرى التي نشهدها في عالم اليوم.  

ألعاب الفيديو مختبر ومحاكاة عالم الأوبئة

رغم أن ألعاب الفيديو لديها القدرة على الترفيه والاسترخاء وتقليل التوتر، وتُوَفِّر الهروب لبعض الوقت من المشاكل الحقيقية والخوف المصاحب لانتشار الوباء، وإتاحة الفرصة للتفاعل مع الأصدقاء من خلال اللعب، ورغم ما ساهمت به شركات ألعاب الفيديو بنشر الوعي للحد من الوباء، إلا أن ألعاب الفيديو كان لها تأثير أكبر من هذا الدور في القضاء على أثار العزل الصحي.

ففي 2005 وتحت عنوان “الدم الفاسد” وداخل لعبة WORLD OF WARCRAFT المعروفة على نطاق واسع على الإنترنت؛ بدأ انتشار وباء افتراضي داخل عالم اللعبة، والتي انطلقت فيها تعويذة سحرية تقوم بنشر العدوى بين اللاعبين معروفة بإسم “الدم الفاسد”، وهو ما قلل من صحة اللاعبين في العالم الافتراضي مع مرور الوقت، وانتشر من لاعب إلى لاعب كما هو الحال في الوباء الحقيقي، وهكذا عمل فريق صناعة اللعبة ببناء محاكاة للوباء في العالم الحقيقي قبل ظهوره بـ15 سنة.  

أصيب ما يقرب من 4 ملايين لاعب في العالم الافتراضي ولم يكن لدى الأشخاص الذين يلعبون أي سيطرة تقريباً على الموقف، وبهذا؛ وفرت اللعبة وسيلة قوية لفهم المواقف المعقدة المصاحبة لانتشار الأوبئة وهو ما لم يكن معروفاً ولم يعهده الأشخاص من قبل كما حدث في عهد كورونا، كما وفر سلوك اللاعبين في اللعبة رؤى للباحثين حول انتشار العدوى في العالم الحقيقي. 

ومن الجدير بالذكر؛ أن علماء الأوبئة اعتمدوا على هذه المحاكاة لتحليل سلوكيات اللاعبين تجاه الوباء في العالم الافتراضي في اللعبة، وما خلصوا إليه هو أن “اللاعبين أظهروا في اللعبة نفس السلوكيات التي يمارسها الأشخاص رداً على الجائحة الحالية في الواقع!”. وهذا ما جعل بعض العلماء يتخذون من الألعاب مختبراً لدعم تطوير الحلول الطبية. 

كتطبيق عملي على هذه الفكرة، أُسست منصة foldit منصة ألعاب جماعية تجعل اللاعبين من الخلفيات المختلفة يساهمون في مجال الصحة عن طريق اللعب. وذلك عن طريق ألعاب “بازل” تحاكي تصميم البروتينات، والتي تحاول التنبؤ ببنية البروتين من خلال الاستفادة من حدس البشر في حل الألغاز وجعل الناس يلعبون بشكل تنافسي لأكتشاف البروتينات. 

وتذكر منصة foldit؛ أنه نظراً لأن البروتينات جزء من العديد من الأمراض، فيمكن أن تكون أيضاً جزءً من العلاج. وبذلك تُمكِّن المنصة اللاعبين من تصميم بروتينات افتراضية جديدة يمكنها المساهمة ومساعدة العلماء والباحثين للوقاية من فيروس مثل كورونا وغيره من الأمراض والأوبئة المعدية. 

وفي هذا السياق؛ اكتشف فريق دولي يقوده علماء من جامعة بريستول البريطانية، بالتعاون مع الجامعة التقنية في ميونيخ بألمانيا وجامعة هلسنكي في فنلندا، ماهية الاتصال بين كورونا بالخلايا البشرية، وما يجعل الفيروس أكثر عدوى وانتشاراً بالجسم؛ إذ أوضح الباحثون في دراستهم المنشورة من دورية (Science) أن كوڤيد يدخل عن طريق بروتين يدعى “نيروبولين-1” (Neuropilin-1)، يتوافر في خلايا بطانة تجويف الأنف، ما يجعله مناسباً للفيروس لتأسيس ملجأ داخل أجسامنا، والتكاثر لتكوين عائلة فيروسية، قبل الانتشار عبر الانتقال إلى أماكن جديدة في أجسامنا.

وكشفت الدراسة أن “نيروبولين-1” يُعد بمنزلة “القطعة الذهبية” من البروتينات التي تتيح لفيروس كورونا التمسك بالخلايا التي تستقبل الفيروس لفترةٍ كافية قبل اقتحامها باقي الخلايا، وفي نهاية الدراسة أثبتت أنه في تجارب أُجريت على خلايا مأخوذة من بشر أصيبوا بكورونا، أنه يمكن استخدام الأجسام المضادة، وهي بروتينات تم إنشاؤها في المختبر وتشبه الأجسام المضادة التي تحدث بشكل طبيعي بعد الإصابة بالفيروس، أو دواء انتقائي يربك ارتباط بروتين (نيروبولين-1)، لتقليل غزو كورونا للخلايا البشرية.

وبالعودة إلى منصة foldit – التي تعتمد على ألعاب الفيديو لمحاكاة بروتينات جديدة – يقول العلماء أن هذه اللعبة تتفوَّق على الخوارزميات الحسابية التي تحاول العثور على حلول لمعضلة كورونا؛ ففي أحد الأمثلة، تمكن اللاعبون على منصة foldit من العثور على إنزيم لفيروس نقص المناعة البشرية – الإيدز – في غضون 3 أسابيع فقط، والآن يعمل اللاعبون للبحث عن حلول لفيروس كورونا.

وبذلك ساهمت الألعاب مساهمة فريدة ليس فقط لجلب الشفاء النفسي للذين يعانون من آثار الحجر الصحي، بل قد تكون في يوم وبفضل منصات مثل foldit مساهم مباشر في إيجاد حل للوباء نفسه.

كذلك أصبح لا شك في أن الألعاب تشكل في القرن الواحد والعشرين مساحات للمرح الممتع والتفاعلي في آن واحد، متميزة بذلك عن الأشكال الأخرى من التواصل، مثل تطبيقات التراسل وشبكات التواصل الاجتماعي، فهي تسمح للأفراد بالتواصل من خلال اللعب، وهو جانب مهم من جوانب الرفاهية النفسية للأفراد. 

كما يرتبط اللعب في حد ذاته بتقليل التوتر والاكتئاب، بالإضافة إلى إطلاق الإندورفين الذي يعطي شعوراً بالراحة والتحسن والنشوة وتقليل الألم. إلى جانب الفوائد المختلفة للتنشئة الاجتماعية – إذا وجه الأباء أبنائهم للألعاب المفيدة – والتي تجعل الألعاب أداة مفيدة لخبراتهم في الحياة وتثقيفهم لا سيما في أمر هام مثل الوقاية من كوفيد-19 والحد من آثاره المدمرة. 

مقالات ذات صله