آخر تحديث: الجمعة | التاريخ: 2021/04/16

أزمة أشباه الموصلات: أبعادها ومسبباتها والمتضررين منها

أزمة أشباه الموصلات: أبعادها ومسبباتها والمتضررين منها

تتزايد حدَّة أزمة أشباه الموصلات التي تضرب الشركات التكنولوجية وصناعة السيارات، وتصل تداعياتها إلى مختلف صناعات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية الحيوية للزمن المعاصر. يتحدث تقرير نشره موقع «ذا كونفرزيشن» للباحث والزميل الزائر بجامعة كامبريدج، حمزة مدثر، عن أبعاد هذه الأزمة ومسبباتها والمتضررين منها من الشركات، حتى المستهلكين.

اضطراب في قطاع الصناعة

يتفاقم النقص العالمي في أشباه الموصلات وترتفع خطورة الأمر يومًا بعد يوم، وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى مراجعة إمداداتها من التكنولوجيا بعد أمر تنفيذي تاريخي من الرئيس جو بايدن. وقد صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض الشهر الماضي بأن المسؤولين يدركون وجوب اتخاذ خطوات لتجنب أي نقص مماثل في المستقبل، ولذلك بدأت إدارة بايدن مراجعة شاملة لسلاسل الإمداد المهمة لتحديد مواطن الضعف واتخاذ خطوات ملائمة.

وتعهد الرئيس الأمريكي بمبلغ 37 مليار دولار لتغطية التكاليف المحتملة على المدى القصير التي سيحتاجها إعادة بناء وتأمين إمدادات أمريكا من أشباه الموصلات. تعدُّ أشباه الموصلات جزءًا أساسيًّا من الرقائق الضرورية، وهي عنصر لا غنى عنه في صناعة الحواسيب والهواتف الذكية، وصولًا إلى الطاقة المتجددة والعتاد العسكري.

يشير التقرير إلى أن صناعة السيارات وقع عليها الضرر الأكبر من هذا النقص، ولا سيما أن هذه الرقائق باتت تشكل ركيزة أساسية لمعظم السيارات الحديثة. تتوقع شركة «فورد» الأمريكية انخفاضًا بنسبة 20% في الإنتاج، وأغلقت شركة «تسلا» خط إنتاج طراز 3 في فريمونت لمدة أسبوعين. وفي المملكة المتحدة، اضطرت شركة «هوندا» إلى إغلاق مصنعها أيضًا.

حتى الشركات التكنولوجية ذات الخبرة العالية مثل «إنفيديا» و«ميكروسوفت» تكافح لتوفير مخزونٍ ثابت من بطاقات الرسوميات (graphics cards)‏ وأجهزة «إكس بوكس» تباعًا. يبدو بالمحصلة أنه لا توجد شركة – كبيرةً كانت أم صغيرة، تقنية أو غير تقنية – في مأمنٍ من التأثير الهائل لقحطِ أشباه الموصلات الكبير الذي يقبل به عام 2021.

مشكلة التركيز

قد يلقي البعض اللوم على جائحة كوفيد-19 وراء وصول قطاع الصناعة العالمي وسلسلة توريد أشباه الموصلات لهذا الموقف، إلا أن التقرير يؤكد أن هذه الأزمة كانت تلوح في الأفق منذ زمن. يُصنِّع ما يصل إلى 70% من أشباه الموصلات في العالم شركتان فقط، هما شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة» (TSMC) وشركة «سامسونج» الكورية.

تكمن المشكلة الرئيسية في ارتفاع الحواجز التي تعترض الدخول إلى صناعة أشباه الموصلات، فهنالك منحنى تعليمي حاد يُطلب لإنشاء مصنع لأشباه الموصلات، يستلزم استثمارًا أوليًّا يتراوح ما بين 10 إلى 12 مليار دولار أمريكي، ومن ثم ثلاث سنوات على الأقل ليصبح جاهزًا للإنتاج. وحتى لو حصل ذلك، لا توجد ضمانات بأن تتماشى عائدات مصانع أشباه الموصلات الجديدة مع عائدات الشركات المشغَّلة. يتقادم عمر الرقائق بسرعة فائقة وتشكل ضغوط الأسعار مشكلة رئيسية في قطاع التكنولوجيا، لذلك هنالك الكثير من المخاطر من المنظور الربحي.

بسبب هذه الظروف الاقتصادية والمتطلبات القاسية، بدا منطقيًّا أن تستثمر حفنة قليلة من الشركات الكبرى في القدرات الصناعية، ومن ثم توزيع التكاليف والمخاطر هذه على مئات الآلاف من العملاء. يقول التقرير إنه عبر تاريخ الصناعة الحديث سلَّمت الشركات التقنية بامتنان زمام التصنيع إلى شركتي «تي إس إم سي» و«سامسونج»، وهو ما أوجد حالة هشَّة تهدد سلاسل التوريد.

يستلزم إنشاء مصنع لأشباه الموصلات استثمارًا أوليًّا يتراوح ما بين 10 إلى 12 مليار دولار أمريكي ومن ثم ثلاث سنوات على الأقل ليصبح جاهزًا للإنتاج. وحتى بعد ذلك يبقى الأمر خطيرًا من المنظور الربحي.

ارتفاع الطلب

أدت جائحة كوفيد-19 إلى ارتفاع الطلب ارتفاعًا غير متوقع على الأجهزة الإلكترونية، مثل الحواسيب المحمولة ومنصات ألعاب الفيديو؛ إذ انتقل الكثير من الناس إلى العمل من المنزل، كما ازداد السعي وراء مصادر الترفيه المنزلي.

أما بالنسبة لشركات السيارات فيقول التقرير إنها كانت تتوقع انخفاضًا في الطلب، وذلك لأن مبيعات السيارات تقلُّ عادة في حالات الانكماش الاقتصادي. ومع ذلك، ثبت خطأ هذا الافتراض، إذ بدأت مبيعات السيارات الجديدة بالتعافي سريعًا بحلول نهاية عام 2020. حاولت شركات السيارات إعادة الحجز على طلبات أشباه الموصلات الملغاة سابقًا، لكنها اكتشفت احتلال مصنعي الإلكترونيات لمكانهم على القائمة.

في الوقت نفسه، تسببت الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي السابق ترامب مع الصين إلى بروز قواعد جديدة عسَّرت عملية حصول الشركات الصينية على أشباه الموصلات من شركتي «تي إس إم سي» و«سامسونج». وبما أن الشركات الصينية المصنعة لأشباه الموصلات لا يجاري أبدًا رواد هذه الصناعة، لجأت الشركات التكنولوجية الصينية العملاقة – وعلى رأسها «هواوي» – إلى تخزين رقائق أشباه الموصلات في وقت مبكر من القيود الجديدة عام 2020، ما تسبب بدوره إلى ابتلاع الطلبات الكبيرة لكل السعة الاحتياطية السابقة.

وجاء العامل الأخير الذي سرَّع من الوصول لهذه الأزمة، والذي تمثل بالارتفاع الحاد في أسعار البيتكوين في أوائل عام 2021، مؤديًا بدوره إلى زيادة الطلب على وحدات معالجة الرسوميات المستخدمة تقليديًّا في تعدين العملة الرقمية، ما فاقم من مشكلات توريد أشباه الموصلات بالنتيجة.

تراكمت هذه العوامل جميعها لتتسبب في استنفاد طاقات شركتي «تي إس إم سي» و«سامسونج» والارتفاع العالي في مُهلات تنفيذ الطلبات، وهو ما أوصل الصناعة العالمية إلى حالة القحط التي نشهدها اليوم، وفقًا لتعبير التقرير.

الحلقة الأضعف

ارتفعت أسعار أسهم شركتي «تي إس إم سي» و«سامسونج» بنسبة 190% و61% على التوالي خلال الاثنى عشر شهرًا الماضية بفضل انخفاض العرض. ويؤكد التقرير أنه وبالرغم من الجهود العالية التي يبذلها الرئيس الأمريكي بايدن، تتضاءل احتمالية تحسن الوضع في السنوات الثلاثة المقبلة؛ وذلك لكثرة العوائق التي تحول دون دخول الشركات في هذا القطاع.

ارتفعت أسعار الأجهزة الإلكترونية الموجهة للمستهلك بسبب السماسرة الذين يعمدون بصورة دورية إلى شراء بطاقات الرسوميات وأجهزة ألعاب الفيديو بأسعار التجزئة الموصى بها، ومن ثم يبيعونها بأسعار أعلى على المواقع الإلكترونية مثل موقع «إيباي».

ارتفعت أسعار أسهم شركتي «تي إس إم سي» و«سامسونج» بنسبة 190% و61% على التوالي خلال الاثنى عشر شهرًا الماضية. وبالرغم من الجهود العالية التي يبذلها الرئيس الأمريكي بايدن، تتضاءل احتمالية تحسن الوضع في السنوات الثلاثة المقبلة

يرى كاتب التقرير أن الأمر لن يطول قبل أن يقرر مصنعو التكنولوجيا وتجار التجزئة زيادة الأسعار لتتناسب مع ارتفاع الطلب وانخفاض العرض للمكونات، وبالتالي علينا توقع رؤية إصدارات أكثر تكلفة من المنتجات الإلكترونية التي ستصل إلى السوق قريبًا. يشبِّه الكاتب حال نقص إمدادات أشباه الموصلات بحال المجاعات الفعلية، والتي يكون المستهلك النهائي هو الحلقة الأضعف فيها إذ سيقع عليه الضرر الأكبر من دون وجود أيِّ متنفس.

مقالات ذات صله