آخر تحديث: الجمعة | التاريخ: 2021/04/16

القاضي والحكم في مواقع التواصل الإجتماعي

القاضي والحكم في مواقع التواصل الإجتماعي

حنان فارس – هل صادفَك من قبل منشور على فيسبوك لشخص ما يحكي تجربته ويطلب نصيحة؟ أو آخر يحكي مشكلته وخصومته مع غيره ويحاول التشهير به أو الانتصار عليه في معركة الكلام والسمعة؟

أنا أعي أن سؤالي غير دقيق، ولأكون أكثر دقة دعنا نستبدل “هل” بـ”كم مرة”.

وسائل التواصل الاجتماعي هي ساحات العمر الجديد، ساحات للصداقة والمشاركة والمناقشة، وكذلك ساحات للخصومة والعداوة، يتقابل فيها المتحابون، ويتواصل الأصدقاء، وتُناقش القضايا، وتنتشر الأخبار والمستجدات، وأيضاً يُنفذ فيها حكم الإعدام على سمعة شخص ما أو وصمه واغتيال كرامته كأسهل ما يكون.

“أعرف مدى سهولة تشويه الحقائق بكلمة واحدة، تهمس للأذن الخطأ، اطعن في شخصية رجل، وكل شيء يفعله هذا الرجل سيبدو خفيّاً، مشكوكاً فيه، مزيفاً، وله دوافع مزدوجة”

بول أوستر

كان لي زميل بالعمل يمكن وصفه إجمالاً بأنه رجل طيب بالمعنى المتعارف عليه اجتماعياً للكلمة، لا يقصد أحداً بسوء، يقتصد في تعاملاته، ولا يؤذي غيره في المجمل. وفي مرة فوجئت بأن الجميع يتحدث عنه، ويستفسرون عن حقيقة ما يُنشر حوله على موقع فيسبوك، من فتاة تقول إنها خطيبته أو هكذا كانت، وأخذت تسرد عنه أشياء بشأن خلافات حدثت بينهما، وتقول إنه بالغَ في الإساءة إليها ولأسرتها، وتسبَّب لها في أضرار نفسية جسيمة، وادّعت أنه حاول التقرب من أختها أثناء خطبتهما، وغيرها من التفاصيل الفظيعة التي تقضي بأن هذا الرجل منحط ومنحرف!

كانت كل التفاصيل في حكاياتها مدعومة بكمية لا بأس بها من مشاعر الضحية، التي تصيب وجدان من يقرأ مباشرة، وتستحوذ على تفكيره، فلا تدع متسعاً لظهور الطرف الآخر بصورة أقل خسة ودناءة.

في العمل كان يسأله البعضُ مستفسراً عن صدق الرواية، ويسأله البعض الآخر مستنكراً ومحتقراً دون طلب إجابة، فقضى الرجل أياماً بائسة شديدة البؤس بيننا لا يُحدّث أحداً ولا يرفع وجهه عن حاسوبه من بدء الدوام حتى انتهائه، وتدنَّى أداؤه بشكل مؤثر، وكان يبدو أنه على شفا انهيارٍ عظيم. قاوم فترة ثم فترة على أمل أن تُرفع الغمة، وينسى الناس ما قضوا عليه به دون منحه الفرصة العادلة للمرافعة، ولكن انقضت فترات المقاومة ولم ينقضِ ذلك الصوت الذي يتردد صداه في الخلفية بشأن قصته المُشينة.

حكايات الفتاة كانت قاسية ومؤلمة له حقاً، ولكن حين تكلم زميلي أخيراً في يوم رحيله عن العمل قال إن أشد ما آلمه فيما حدث هو “الحُكم”!

كانت الفتاة مجرد خصم قدم ادعاءه للناس، ولكن أحداً لم يتردد في تقلُّد دور القاضي والحكم. ولبئس ما حكموا به! سواء بالتنكيل به في التعليقات، حيث برع كل من أراد التعاطف مع الفتاة في سبّه وسب أجداده الأوائل، أو ما حدث من همز ولمز حوله من أشخاص يعرفهم ويعرفونه!

“إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ”

دخل شخصان على نبي الله داود وهو قائم في محرابه يتعبد، وطلبا منه الحكم بينهما في قضية اختلفا فيها، وأخذ أحدهم يقص مشكلته، وقال بكلمات مختارة بعناية: إن أخي له تسع وتسعون نعجة أما أنا فلي نعجة واحدة.

وهنا لا يدخل صاحب الحكاية إلى المشكلة مباشرة، بل يسرد صورة تهيّئ المستمع للحكم الذي يتطلع إليه، وتدفع قلبه نحو التعاطف معه، ثم بعد أن تحقق له ما أراد من استعطاف واستقطاب استطرد: وأخي هذا يريد أن يضم نعجتي لنعاجه.

وبالفعل قضى له نبي الله داود مباشرة دون الرجوع لقول الخصم الآخر، وقال “لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ”

ثم بعد أن ذهبا أدرك نبي الله داود أن ما فعله كان خطأً عظيماً، لأنه مهما كان خطاب الادّعاء مؤثراً ومقنعاً لم يكن له أن يتسرع ويقضي بحكم لطرف دون سماع الطرف الآخر.

حين تتأمل سرد القرآن الكريم للقصة تجد أنه وصف هذا الموقف بـ”الفتنة” التي تتطلب توبة ممن وقع فيها، فقال سبحانه وتعالى “وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ”

اليوم تجد أن معظم الحكايات والقصص الشخصية حين تُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي لا تأتي على هيئة خبر مجرد أو سرد وقائع حدثت كما هي، إنما يغلفها مجهود عظيم في اختيار الكلمات وانتقاء عبارات الوصف والتركيز على حالة صاحب الحكاية ووضعه، متجاهلة الطرف الغائب، ومُهملةً الكثير من حيثيات الموقف وملابسات الأفعال وردودها، فيُفتن القارئ ويظن أنه أصبح في موضع يؤهله للإدلاء برأيه والحكم فيما سمع.

وإن كان توافر هذا وسماع الطرفين لا يقتضي عدالة الحكم فهذا يوسف الصديق، حين راودته امرأة العزيز عن نفسه وحاول صدها وردها عن غايتها، ماذا كان ادعاؤها بمجرد أن رأت زوجها؟ جاء افتراؤها فورياً ودون تعثر أو اهتزاز أن يوسف هو من أراد السوء بها، لم تكتفِ بالاتهام وحسب، بل شدّدت على موقفها ودعمته بثقة وتظلّم، مطالبةً بمعاقبة يوسف بالسجن أو بالعذاب الأليم.

وسُجن يوسف وهو المظلوم البريء، ولم تؤخذ أقواله في الاعتبار وإن كان يدعم موقفه الشهود. ذلك لأن دائماً ما تكون للحكاية سطوة وقوة مؤثرة، وقد قال سيد البشر في حكمه بين الناس: إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ.

“وَجَآءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ”

هكذا كان حال إخوة يوسف بعدما دبروا المكيدة لأخيهم وألقوا به في البئر، محاولين خداع أبيهم بدموع كاذبة، وكأن فقد أخيهم أحزنهم، وكأن هذا الفقد لم يكن خطتهم المبيّت لها، ولولا أن يعقوب يعلم من الله ما لم يعلموا لظن أنهم مظلومون وليسوا ظالمين!

الحُكم يا سيدي والانحياز لطرف عن طرف أمر غاية في الخطورة، لا يُعقل أن يستهان به للحد الذي نراه يومياً عشرات أو مئات المرات ممن يكرسون أنفسهم للتعصب والتحزب ومناصرة صاحب الحكاية، فقط لأنه بارع في كتابتها. 

فكم ممن ظُلموا في حكايات تناقلناها دون تحقق أو تثبيت؟ وكم من مظلوم كتم ظلمه لأنه لا يزال متشككاً حول قدرته على الإنصاف والنزاهة إذا حكى، أو لأن نبل أخلاقه يجعله مدركاً أن ليس كل ما يحدث قابل للرواية، وأن لبعض الحكايات حرمات لا يصح المساس بها.

كل ما هنالك أن تتذكر أنك لست بقاضٍ، وأن الحق ليس شرطاً أن يكون لصاحب الحكاية، أو كما يقول المثل الإفريقي “إلى أن تستطيع الأسود أن تحكي قصصها.. فإن حكايات الصيد سوف تمجّد الصياد!”.

مقالات ذات صله