آخر تحديث: الثلاثاء | التاريخ: 2021/05/04

الحرب السيبرانية.. التكلفة الأقل في تحميل الطرف الآخر خسائر أكبر

الحرب السيبرانية.. التكلفة الأقل في تحميل الطرف الآخر خسائر أكبر

سبع محمد – كاتب جزائري – إنّ تاريخ البشرية مليء بالحروب الدامية والصراعات الطاحنة، والتي خلفت مئات الملايين من الضحايا وغيرت التراكيب الاجتماعية في المعمورة، إذ لم يخلُ أيّ عصر من العصور القديمة من النزاعات، فمنذ أن هبط آدم عليه السلام على الأرض والحروب قائمة بين القبائل والمماليك القديمة والإمبراطوريات، ولعلّ أبرزها حروب الفرس والرومان، المغول، حروب شبه الجزيرة الإيبيرية، البيزنطيين والسلاجقة، الفتوحات الإسلامية، الحروب الأهلية في كل من الصين وأمريكا، الحربين العالميتين الأولى والثانية وغيرها من الحروب.

وقد تعدّدت أشكال وأجيال هاته الظاهرة الإنسانية، فمن الحرب التقليدية التي اعتبرت الجيل الأوّل، والتي تميزت آنذاك بمعرفة كل طرف عدوه، لأن طرفي الصراع واضحان معلومان، تنتهي المعركة بفوز أحدهما وخسارة الآخر، أمّا الجيل الثاني من الحروب أو ما يسمى بالحروب الشاملة، والتي تميزّت بتوّحد جميع جهود الدولة السياسة والاقتصادية والثقافية والإعلامية وتسخيرها في حروبها، كالدعاية التي استخدمت أثناء الحرب العالمية الثانية،، أمّا الجيل الثالث أو ما يعرف بالحرب الباردة والتي تميّزت بحروب الجوسسة والدعاية العقائدية والمنافسة الاقتصادية بين الاتحّاد السوفيتي والولايات المتحدّة الأمريكية، وانقسام إلى معسكرين نتج عنه بؤر توّتر وصراع في كلّ من كوريا، فيتنام وأفغانستان، بالإضافة إلى انتشار ثورات التحرير الشعبي من الاستعمار أو من الأنظمة المستبدّة، وبعد انهيار الاتحّاد السوفياتي مع بداية تسعينيات القرن الماضي اختلّت موازين القوى العسكرية وأفرزت حروب الجيل الرابع التي تدّمر كل شيء كما في حروب أمريكا ضد العراق وأفغانستان، واتسمت هاته الحروب باستخدامها أساليب خاصة كالاغتيالات والتفجيرات والاختطاف، أمّا الجيل الخامس فهو حرب بدون سلاح لإسقاط الأنظمة، وذلك عبر المظاهرات والمسيرات السلمية والاعتصامات كالثورات العربية.

ومع التطور الرهيب في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أصبح الفضاء السيبراني مسرحًا للهجمات الإلكترونية باعتبارها أداة من أدوات الجيل الخامس للحروب وباءً يؤرّق العديد من الدول والمنظمّات، وفي هذا الصدد نتساءل ما مدى فعالية الحروب السيبرانية في تغيير المعالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية للدول؟ وهل تحقّق ما عجزت عنه الأجيال السابقة من الحروب؟

تعتبر الحروب الإلكترونية مواجهات غير معلنة وصامتة تخوضها الدول ضدّ بعضها البعض، وأهمّ ما يميّزها أنّها تتعامل مع عدّو مجهول، تستهدف القدرات والأنظمة العسكرية والبنية التحتية الحيوية للمجتمع بما في ذلك قواعد البيانات والشبكات الذكية، وتشويه الوقائع وتقديمها على أنّها حقيقة عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

حيث تتمّثل تكتيكات الحرب السيبرانية على جمع البيانات أو التسلّل داخل أنظمة الحاسوب عن طريق اختراق الشبكات وتزويدها بمعلومات مغلوطة لإرباك مستخدميها، كما تعتمد على نشر الفيروسات لتعطيل الخوادم وأجهزة تشويش الاتصالات والبرمجيات الحاسوبية المزيفّة المشبوهة وأسلحة النبض الكهرومغناطيسي وأدوات استطلاعات شبكات الحاسوب كالدخول غير المشروع والتجسّس على شبكات الخصم، بهدف الحصول على معلومات استخباراتية وأسرار عسكرية دون تدميرها، وفي بعض الحالات قد يُسمح للزائر المجهول بالدخول على الشبكة، وتتبعه بهدف التعرف على أساليب الخصم والقيام بعمليات ردع سيبراني مضاد، وقد تعرّضت بعض الدول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدّة لهاته الهجمات، متهّمة دولًا أخرى مثل روسيا والصين بالوقوف ورائها، أمّا عربيًّا فقد تعرّضت قطر لقرصنة إلكترونية لموقع وكالتها الرسمي ونشر حقائق مزيفة، أسفرت عن حصارها من طرف جيرانها، كما تلتها هجمات شرسة للذباب الإلكتروني عبر تويتر بهدف تشويه صورة البلد، وتعاني الجزائر أيضًا يوميًا من حمى هذا الوباء الإلكتروني، فكنتيجة حتمية للظروف التي تمر بها البلاد من اظطراب داخلي سياسي واقتصادي واجتماعي وتوّتر خارجي مع شقيقتها المغرب، الأمر الذي سمح بفتح عدة جبهات لهاته الحرب الإلكترونية سواء عبر قرصنة المواقع الرسمية أو نشر الأخبار التضليلية، فأصبح الفضاء الإلكتروني الجزائري بيئة حاضنة للإشاعات، كما تتعرّض إيران من حين إلى آخر إلى هجمات سيبرانية تستهدف منشآتها النووية متهمة كالعادة إسرائيل والولايات المتحدة بافتعالها.

كما لم تسلم مؤسسات ومواقع عالمية مثل «Google» ومواقع التواصل الاجتماعي من هاته الهجمات، ولعلّ آخرها ما حدث لموقع فيسبوك باختراق ملايين حسابات مستخدميه عبر العالم، حيث تعد هاته الهجمة أكبر عملية اختراق في تاريخ القرصنة، فباستخدام تقنية ما يسمى بالهندسة الاجتماعية عبر مواقع التواصل الاجتماعى، أصبح الأفراد أيضًا مهدّدين بسرقة بياناتهم الشخصية واستخدامها لأغراض غير سليمة كتوجيههم وفق أجندات مخطط لها.

لقد باتت الآن القرصنة الإلكترونية إحدى الطرق الفعّالة والمدّمرة التي يتّم استغلالها لإلحاق الضرر بدولة أو مؤسسة ما دون عناء، مقارنة بالحروب التقليدية العسكرية التي تتطلب مجهودات ومعدّات أكبر وأكثر ووقت أطول، وبالرغم من أن الهجمات الإلكترونية ليست دموية لكن عدد المتضررين منها في المستقبل سيكون أكثر من المتضررين من حروب الأجيال السابقة، فهذه الهجمات يمكن أن تأتي دون سابق إنذار، فالحواسيب والهواتف الخلوية قد تتوقف عن العمل فجأة وفي لحظ واحدة، وقد تتعطّل أنظمة مراقبة الحركة الجويّة والسكك الحديدية وحركة السيارات وتعم فوضى الطرق السريعة والجسور والممّرات المائية ومع إنقطاع الكهرباء تغرق المجتمعات بأكملها في غياهب الظلام، ولن تستطيع الحكومات معرفة مصدر الهجمات وحماية شعوبها من هجمات متتالية، وهذا هو التدمير التي ينجم عن نوع جديد من الحروب هي «الحرب السيبرانية».

مقالات ذات صله