آخر تحديث: الثلاثاء | التاريخ: 2021/10/19

هل تنجح الصين في فرض قوانينها في الحد من إدمان الألعاب الإلكترونية؟

هل تنجح الصين في فرض قوانينها في الحد من إدمان الألعاب الإلكترونية؟

أوضحت مجلة «فورتشن» أن الصين تحاول فرض قوانين للحد من الساعات التي يمكن أن يقضيها الشبَّان الصينيون في ألعاب الإنترنت، ومحاولات شركات صناعة الألعاب الكبرى – مثل «تينسنت» – استخدام تكنولوجيا من شأنها تسهيل فرض تطبيق تلك النُّظم، وذلك في تقرير للكاتب جرادي مكجريجور نشرته المجلة الدولية الأمريكية التي تهتم بشؤون المال والأعمال.

ويستهل الكاتب تقريره بالقول: أصدرت الصين يوم الاثنين لوائح شاملة تمنح الأطفال دون سن 18 عامًا نافذة لمدة ثلاث ساعات للاستمتاع بألعاب الفيديو كل أسبوع. والآن سيُسمح لشباب الصين بممارسة الألعاب في المدة من الساعة الثامنة مساءً حتى الساعة التاسعة مساءً فحسب أيام الجمعة، والسبت، والأحد، والعطلات الرسمية.

وقالت الإدارة الوطنية للصحافة والنشر في بيان: «لقد أثر إدمان الألعاب على الدراسات والحياة الطبيعية… وأصبح العديد من الآباء بائسين». وفي وقت سابق من هذا الشهر انتقدت صحيفة تابعة لوكالة الأنباء الصينية التي تديرها الدولة «شينخوا» شركات الألعاب لاستهدافها الشباب، وفي معرض حديثها وصفت الألعاب عبر الإنترنت بأنها «أفيون روحي».

وترقى القواعد الجديدة التي تحدد وقت اللعب في الصين إلى ما قد يكون أكثر سياسات الألعاب تقييدًا للأطفال في العالم. ومع ذلك فإن الإجراءات مهما كانت شديدة القسوة تسعى إلى معالجة ما يعُدُّه قادة الصين مشكلة اجتماعية حقيقية: الأطفال الصينيون يسجلون لساعات طويلة على نحو غير عادي يلعبون خلالها الألعاب عبر الإنترنت.

720 الصين.. مليون لاعب

ويشير الكاتب إلى أنه يوجد في الصين أكثر من 720 مليون لاعب، وحوالي 110 مليون منهم تقل أعمارهم عن 18 عامًا، كما يقول دانيال أحمد، محلل الألعاب في شركة «نيكو بارتنرز (Niko Partners)». ويقول أحمد: إنه من الصعب تحديد عدد اللاعبين الصينيين الشباب الذين يدمنون ألعاب الفيديو، لكن من المحتمل أن يمثِّلوا جزءًا كبيرًا من اللاعبين، بالنظر إلى انتشار الموضوعات في وسائل الإعلام الصينية.

وأفادت وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن 13.2٪ من القاصرين في الصين يلعبون الألعاب لأكثر من ساعتين يوميًّا طوال أيام الأسبوع، أي ما يعادل عشرات الملايين من الأطفال. وأظهر استطلاع حديث شمل 4 آلاف من لاعبي ألعاب الفيديو الذين تزيد أعمارهم عن 18 عامًا في ثماني دول أن اللاعبين الصينيين يلعبون ألعاب الفيديو لساعات في الأسبوع أكثر من أية دولة أخرى.

ولعب اللاعبون الصينيون ما معدله 12.4 ساعة في الأسبوع، متجاوزين متوسط ​​الولايات المتحدة البالغ 7.7 ساعة في الأسبوع والمتوسط ​​العالمي البالغ 8.5 ساعة في الأسبوع، وفقًا لشركة الخدمات السحابية لايم لايت نتويركس (Limelight Networks).

ويُعد انتشار الألعاب الصينية في كل مكان وطبيعتها المسبِّبة للإدمان، جزئيًّا على الأقل، إحدى الوظائف الخاصة بالضوابط التي تضعها البلاد لإدارة صناعة ألعاب الفيديو. وأدَّى الحظر المفروض لمدة 15 عامًا على أنظمة الألعاب إلى تركيز جهود مطوري الألعاب على إتاحة ألعاب جذابة للغاية لأي شخص لديه هاتف ذكي. وفي الواقع، ساعدت الدولة في دعم صناعة الألعاب التي تعتمد على الهواتف الذكية في الصين في سعيها لتصبح أكبر سوق للألعاب في العالم.

وتسعى بكين الآن إلى قطع الرابطة القوية التي ساعدت في تشكيلها بين الشباب وألعاب الفيديو، وقد تكون الطريقة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف هي فرض فحوصات هوية تطفلية وتكنولوجيا التعرف على الوجه لإبقاء الأطفال بعيدًا عن العوالم الافتراضية.

ثورة في عالم الهواتف المحمولة

حظرت الصين بيع أجهزة ألعاب الفيديو مثل «بلاي ستيش» و«مايكروسوفت إكس بوكس» من عام 2000 حتى عام 2015 بسبب مخاوف من أن تكون للألعاب تأثير سلبي على الأطفال.

وتزامن الحظر مع ازدهار استخدام الهواتف الذكية في الصين وظهور عمالقة الإنترنت، مثل شركتي «تينسنت» و«على بابا». وفي عام 2010، استخدم 303 ملايين شخص في الصين الهواتف المحمولة لتصفح الإنترنت موازنةً بـ911 مليون شخص في الصين لديهم هواتف ذكية اليوم.

يقول أحمد: إن الطبيعة الموجَّهة نحو الهواتف الذكية لصناعة الألعاب في الصين وضعت حاجزًا بسيطًا نسبيًّا لدخول اللاعبين؛ مما زاد من شعبية الألعاب عبر الإنترنت.

يقول أحمد: «يمكن الوصول إلى هذه الألعاب بسهولة كبيرة من خلال النظام الأساسي للجوال. ويمكنك تنزيلها عبر الإنترنت بسهولة بالغة، ولا يكلفك ذلك أي شيء. ونظرًا لأن هذه الألعاب وصلت إلى مثل هذا النطاق الواسع، أعتقدُ أنها زادت من مخاوف الحكومة بشأن إدمان القُصَّر لها».

شرف الملوك

يشير الكاتب إلى أنه في عام 2019 قال كولين ياو، رئيس أكبر شركة تطوير ألعاب تابعة لشركة «تينسنت»، وهي شركة «استوديوهات تيمي»، صانعة اللعبة الرائدة الشهير «شرف الملوك»، لمجلة «فورتشن» كيف أنه في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي صمم ألعابًا خصيصًا للهواتف الذكية، مستفيدًا من تطبيق المراسلة (WeChat) المُستخدَم على نطاق واسع من شركة «تينسنت» لجعل اللعبة اجتماعية بالإضافة إلى جعلها جذابة لمستخدمي الهواتف الذكية.

قال ياو: «يبحث لاعبونا أكثر عن أسلوب لعب غير رسمي ويريدون المزيد من العناصر الاجتماعية والتفاعلية في ألعابهم. وكلما كان مدى الانتباه (المدى الزمني التي يستطيع فيها الشخص التركيز على نشاط واحد) أقصر، كانت الألعاب أقصر زمنًا».

وأدَّى الجمع بين جعل الألعاب أقصر زمنًا وتوفيرها مجانًا في البداية إلى جعل الألعاب شائعة على نطاق واسع ويمكن الوصول إليها بسهولة. وفي الوقت نفسه فإن تشجيع الإنفاق لمساعدة اللاعبين على التقدم جعلهم مهتمين وشركات الألعاب مربحة.

يلاحظ أحمد أنه أثناء تطوير الألعاب للهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، كان سوق الألعاب في الصين من بين أول من اتجهوا إلى الألعاب المجانية وكذلك الممارسات الشائعة – وغالبًا ما يجرى التشهير بها لكونها مشابهة للمقامرة – مثل صناديق الغنائم. تسمح صناديق الغنائم (loot boxes) للاعبين في الألعاب المجانية بشراء صندوق من العناصر التي من شأنها أن تعزز طريقة اللعب دون أن يعرف المستخدمون قيمة العناصر الموجودة في أي صندوق معين.

يقول أحمد: «جرى تصميم الألعاب لتشجيع الناس على الإنفاق على سواء على معززات الألعاب، أو الشخصيات، أو أي شيء يمكن أن يساعدهم في الفوز من حيث التأثير على طريقة اللعب»؛ مما يجعل الألعاب «شائعة ومسبِّبة للإدمان».

أبقى المطورون الصينيون على تردد المستخدمين على اللعب من خلال نشر مجموعة واسعة من التكتيكات لدمج الشبكات الاجتماعية في الألعاب.

على سبيل المثال استفادت شركة «تينسنت» من قوة تطبيق المراسلة الاجتماعية (WeChat)، الذي يضم أكثر من مليار مستخدم نشط في الصين، لتعزيز شعبية الألعاب وربط المستخدمين على الفور بزملائهم اللاعبين الآخرين.

وينقل الكاتب عن «ترينت باكس»، الأستاذ المشارك في علم الاجتماع بجامعة إيهوا للنساء، والذي يدرس الألعاب عبر الإنترنت في الصين، قوله: «فيما يخص المراهقين في الصين، أصبحت الألعاب عبر الإنترنت ممارسة اجتماعية ثقافية ذات أهمية مركزية. ولا يشكِّل المراهقون روابط الأقران الأساسية والحفاظ عليها فحسب من خلال الألعاب عبر الإنترنت، ولكن الألعاب هي أيضًا وسيلة مهمة يمكنهم من خلالها تخفيف التوتر».

شركات الألعاب تقدم السم للمجتمع

وبعد النمو الهائل لحجم الألعاب في أوائل عام 2010، انتقدت أكبر صحيفة مملوكة للدولة في الصين، وهي صحيفة (The People’s Daily)، في عام 2017 شركات الألعاب بما في ذلك شركة «تينسنت» لتقديمها «السم» إلى المجتمع الصيني، بحجة أن الألعاب أصبحت مسببة للإدمان وتشوِّه القيم الصينية.

وفي ذلك العام فرضت الحكومة قيودًا على صناديق الغنائم، مما يتطلب من الشركات إظهار احتمالات الفوز بجوائز معينة من الصناديق التي يشتريها اللاعبون. وفي عام 2018 أصدرت الصين تعليقًا لمدة تسعة أشهر على ترخيص الألعاب الجديدة وشنَّت حملة على تصوير العنف في الألعاب.

وفي عام 2019 أدخلت الصين قواعد تقيد المواطنين الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا بممارسة الألعاب لمدة ساعة ونصف الساعة يوميًّا في أيام الأسبوع، وثلاث ساعات خلال عطلات نهاية الأسبوع والعطلات، وأن يقتصر اللعب على ساعات النهار فحسب.

وعلى الرغم من التدقيق التنظيمي الأكبر، ازدهرت شركات تطوير الألعاب الصينية، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى الدعم الحكومي.

الرياضة الإلكترونية!

صنف المكتب الوطني الصيني للإحصاء الرياضة الإلكترونية رسميًّا على أنها رياضة احترافية في عام 2019. وفي العام التالي أعلنت الحكومات البلدية في شنغهاي وبكين عن تقديم الدعم وتنظيم حملات ترويجية لمواصلة تطوير الرياضة الإلكترونية في مدنها. وعرضت «هيئة الإذاعة الصينية» التي تديرها الدولة سلسلة وثائقية من ستة أجزاء عن الرياضات الإلكترونية عام 2020، بينما أطلقت الجامعات في جميع أنحاء البلاد مواد اختيارية وتخصصات تتعلق بالألعاب عبر الإنترنت.

وكان عام 2020 هو العام الأكثر نجاحًا في صناعة الألعاب الصينية حتى الآن، ونما سوق ألعاب الهاتف المحمول إلى 29.2 مليار دولار من الإيرادات السنوية، بزيادة 30.9٪ عن العام السابق، وفقًا لشركة «نيكو بارتنرز».

وصف باكس نهج الحكومة الصينية تجاه الألعاب بأنه «متضارب ومتناقض».

يقول باكس: «من ناحية، احتفلت الحكومة بالألعاب عبر الإنترنت والرياضات الإلكترونية والثقافة التكنولوجية وعزَّزتها بوجه عام باعتبارها ترمز إلى التطور التكنولوجي في الصين وتحديثها. ومن ناحية أخرى، قامت الحكومة برعاية خطاب اجتماعي مناهض للألعاب، مع وصم المراهقين (المدمنين على الإنترنت) لأنهم يقال إنهم يهددون (الاستقرار الاجتماعي)».

التحقق من الوجه

من المحتمل أن يتمكن بعض المراهقين، على الأقل، من الالتفاف على قانون الألعاب الجديد.

يقول سيباستيان فرانسوا، المخضرم في مجال صناعة الألعاب في الصين: «سيجد اللاعبون الفعليون طرقًا للالتفاف على القيود». وأوضح أنه حتى في ظل القيود، سيكون تغيير عادات الألعاب بين شباب الصين أمرًا صعبًا، كما أصبح أطفال الصين أكثر مهارة في تجاوز القيود السابقة من خلال ممارسة الألعاب غير المتصلة بالإنترنت، أو «استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)» للوصول إلى الألعاب الأجنبية، أو تسجيل الدخول إلى الألعاب عبر حسابات آبائهم أو أجدادهم. وأضاف: «سيظل الأطفال مهتمين بثقافة (الألعاب) لأنها منتشرة في كل مكان».

دورية منتصف الليل

أمضت شركة «تينسنت»، أكبر شركة ألعاب في العالم، سنوات في محاولة التقدم على النظم، باستخدام لعبة «شرف الملوك» باعتبارها تجربة لكيفية التحقق من متطلبات العمر.

وفي عام 2018 وسط تدقيق من الحكومة بدأ فريق «شرف الملوك» تجريب فحوصات التعرف على الوجه بعد أن أدخلت الشركة قواعد تحظر على الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عامًا ممارسة اللعبة لأكثر من ساعة في اليوم. وفي يوليو (تموز)، أدخلت شركة «تينسنت» هذه السمة في أكثر من 60 لعبة.

ويتابع برنامج التعرف على ملامح الوجه، والذي يحمل اسم دورية منتصف الليل (Midnight Patrol)، مستخدمي الألعاب في وقت متأخر من الليل، وأولئك الذين لديهم عادات إنفاق عالية، ويفرض مطالبة بالبيانات للتأكد من أن المستخدمين ليسوا أطفالًا يلعبون على هواتف آبائهم.

يقول أحمد: «خاصية التعرف على الوجه من وجهة نظر شركة «تينسنت» يتجاوز في الواقع ما هو مطلوب منهم ويفوقه. لقد حاولوا في الأساس إظهار أنهم يتحملون المسؤولية باتخاذ إجراءات ضد الإدمان».

وفي ملاحظة إلى مجلة «فورتشن»، قال متحدث باسم شركة «تينسنت» إن تقنية التعرف على الوجه ليست سوى جزء واحد من نظام أكبر يمنح شركة تينسنت وأولياء أمور اللاعبين أدوات لتتبع وقت اللعب وعادات الإنفاق الخاصة بالقُصَّر والحد منها.

واختتم الكاتب مقاله بما أشار إليه شوندي زانج، محلل أبحاث ألعاب الفيديو في شركة «أمبير أناليسيس»، من أن إجراءات شركة «تينسنت» كانت فعَّالة، وأن 2.6٪ فقط من لاعبي ألعاب شركة «تينسنت» هم مَنْ تقل أعمارهم عن 16 عامًا اعتبارًا من الربع الثاني من هذا العام.

ويقول: إن عمليات التحقق من الوجه في شركة «تينسنت» قد توفر أيضًا نموذجًا لصناعة الألعاب الأوسع في كيفية تطبيق حظر الألعاب لمدة ثلاث ساعات.

ويضيف زانج: «تحتاج صناعة الألعاب إلى وقت للتكيف مع القواعد القاسية، ولكن قد يجري إدخال تكنولوجيا التعرف على الوجه في المزيد من الألعاب على المدى الطويل».

مقالات ذات صله