آخر تحديث: الأربعاء | التاريخ: 2021/10/20

ما الذي تخطط له الصين بخصوص العملات الرقمية؟

ما الذي تخطط له الصين بخصوص العملات الرقمية؟

انتشرت خلال الشهور القليلة الماضية، أخبار عن حظر الصين التعامل بالعملة الرقمية بيتكوين داخل الصين، وسن قوانين تمنع أي مؤسسة أو جهة تجارية من تداول تلك العملات الرقمية المشفرة، وليس البيتكوين فقط، وقال بيان صادر عن مصرف الشعب الصيني: إن «العملات الافتراضية، والمعاملات المالية والاقتصادية المتعلقة بها، غير قانونية» وأضاف أنها «تهدد بشدة مدخرات المواطنين».

وتمنع الصين بشكل رسمي تداول العملات الرقمية منذ عام 2019، لكنها سمحت باستمرار التحويلات الخارجية باستخدامها، وسمحت بتعدينها على أرضها لتكون الصين أكبر مزرعة للعملات الرقمية في العالم؛ وفي الوقت نفسه تمنع تداولها!

فما هي مزارع تعدين العملات الرقمية في الصين؟ وما الدور الذي لعبته في التغير المناخي الذي يعاني منه الكوكب الآن؟

«اسألوا الصين».. خسائر التغير المناخي قد تصل 23 تريليون دولار

في دراسة نُشرت في شهر أبريل (نيسان) من العام الجاري؛ توقعت شركة «سويس ريإنشورانس» لإعادة التأمين على العالم، أن خسائر التغير المناخي على الزراعة والأمراض والبنية التحتية قد تصل إلى 23 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050. وأكدت الدراسة أن تلك الأزمة يمكن إدارتها من خلال تنفيذ المزيد من الإجراءات التي تحد من انباعاثات الكربون، ووفقًا للدراسة فإن البلدان الأكثر فقرًا ستكون البلدان الأكثر تضررًا.

تعدين العملات الرقمية واحدًا من الأسباب المساهمة في تلوث البيئة والتغير المناخي، وينتشر هذا النشاط في الصين انتشارًا واسعًا؛ إذ تعتمد بكين في ذلك على الكهرباء الرخيصة التي تعمل بالفحم؛ ما يتسبب في تلوث البيئة وزيادة الانبعاثات الكربونية.

وفي تقرير نشر مع بداية شهر أبريل هذا العام على موقع «نيتشر»؛ أكد الخبراء إلى أن الصين على مدار الأعوام الماضية احتكرت ما يقرب من 75% من تعدين البيتكوين، وورد في الدراسة أنه «بدون أي تدخلات سياسية. من المتوقع أن يصل الاستهلاك السنوي للطاقة من سلسلة العملات الرقمية في الصين إلى ذروته في عام 2024 عند 296.59 تيراواط في ساعة، وتوليد 130.50 مليون طن متري من انبعاثات الكربون في المقابل. وعلى الصعيد الدولي سوف يتجاوز ناتج الانبعاثات الكربونية إجمالي إنتاج انبعاثات غازات الاحتباس الحراري السنوي لجمهورية التشيك وقطر».

ولتلك الأسباب أطلق رجل الأعمال والمستثمر الكندي كيفن أورلي على العملات الرقمية التي يجري تعدينها في الصين أنها «عملة الدم»، وأكد أنه لن يتعامل بعملات رقمية سوى «العملة النظيفة» والتي يجري الحصول عليها من عمال المناجم الذين يستخدمون الطاقة الخضراء أو المتجددة.

لكن.. كيف يجري تعدين العملات الرقمية؟

هي عملة لا تراها بعينك ولا تلمسها بيديك، وانتشرت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وقد يراودك سؤال مهم، ما علاقة العملة الرقمية بتلوث البيئة، وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نشرح لك كيفية عمل تعدين العملات الرقمية والتي أطلق عليها البعض مزارع العملات الرقمية في الصين.

تعدين العملة هو عملية انشاء عملة جديدة باستخدام أجهزة الحاسب الآلي من خلال حل الخوارزميات وفك شفرات رياضية معقدة، ويقوم مستخدمو العملات الرقمية الذين يطلق عليهم مجازًا عمال المناجم، بعملية حفظ البيانات وعمليات التداول وتسجيلها في سلاسل إلكترونية تسمى «بلوكتشين»، وتتطلب عملية حفظ البيانات وتسجيله في تلك السلسلة أجهزة «كمبيوتر» فعالة وعالية الكفاءة.

وتستغرق عملية تعدين العملة الواحدة – أي بيتكوين واحد على سبيل المثال – حوالي 10 دقائق، فتخيل الوقت الذي تحتاجه تلك الأجهزة لتعدين ملايين من البيتكوين المتداولة عبر الإنترنت، وتلك الأجهزة تستهلك معدلات كبيرة من الكهرباء، ولذلك استخدمت الصين في تعدينها الكهرباء الرخيصة، والتي لها تأثيرات سلبية على البيئة، وجدير بالذكر أن تلك الطاقة الكهربائية التي استخدمتها الصين في اليوم الواحد قدرت بأنها تكفي احتياجات منزل لـ5 ملايين عام.

في البداية كان بإمكان «عمال المناجم» العمل في تعدين العملة المشفرة باستخدام أجهزتهم الشخصية، لكن مع ارتفاع سعر العملة الرقمية، تطلب الأمر أجهزة أكثر كفاءة وفاعلية، ما يعني استهلاك طاقة أكبر، وكلما ارتفع سعر البيتكوين، ارتفعت معها كمية الطاقة المستهلكة أيضًا، وبالتالي زيادة التلوث البيئي وانبعاثات غاز الكربون الذي يسرع من عملية الاحتباس الحراري، كما أن معدني العملة يخلفون وراءهم كل عام ما يزيد عن 30 ألف طن من النفايات الإلكترونية المتمثلة في الرقائق الإليكترونية.

وقدر مركز كامبريدج للتمويل البديل أنه حتى 19 مايو (أيار) من عام 2021 وصل استهلاك الصناعة للطاقة إلى 147.8 تيراواط في الساعة ويشير هذا إلى زيادة كبيرة تصل إلى 121.9 تيراواط في ساعة حدثت نتيجة لشراء شركة تيسلا ما قيمته 1.5 مليار دولار من عملة البيتكوين في فبراير (شباط) من العام الجاري، وأكد المركز أن عملية إنتاج البيتكوين يستهلك حاليًا ما يقدر بـ0.59% من إنتاج الكهرباء العالمي، أي ما يكفي لتشغيل جميع غلايات المياه في بريطانيا لمدة 33 عامًا.

وما الذي تخطط له الصين بخصوص العملات الرقمية؟

مؤخرًا أعلن المصرف المركزي الصيني أن أي تعاملات بالعملات الرقمية داخل الصين سيكون غير قانوني، وجاء في البيان الصادر عن مصرف الشعب الصيني أن «العملات الافتراضية والمعاملات المالية والاقتصادية المتعلقة بها غير قانونية، وأنها تهدد بشدة مدخرات المواطنين»، وهبطت قيمة البيتكوين بنحو 50% منذ تحقيقها ارتفاعًا قياسيًا فاق 63 ألف دولار في شهر أبريل الماضي، وهبطت قيمتها السوقية من متوسط 2.53 تريليون دولار إلى 1.7 تريليون دولار.

وبناءً على تلك القرارات، وخلال الأشهر الثلاث الماضية، ضيقت الصين الخناق على تعدين العملات الرقمية المحلي داخل الصين حفاظًا على الاقتصاد، وفي الوقت نفسه أعلن تشانج تشور الرئيس التنفيذي لشركة «بيت توب (BIT TOP)» التي تمثل أكثر من 18% من معدل تجزئة تعدين البتكوين في الصين، عن تعليق عملياته المحلية، وكتب في حسابه على موقع «ويبو» للتواصل الاجتماعي: «سنقوم بالتعدين بشكل أساسي في أمريكا الشمالية، ولا يستحق الأمر تحمل المخاطر التنظيمية»، وبناءً عليه تراجعت سعر العملات الافتراضية كلها، وهبطت قيمتها السوقية من متوسط 2.53 تريليون دولار، إلى 1.7 تريليون دولار.

هناك بعض التحليلات الاقتصادية تشير إلى أن حملة الصين ضد العملات المشفرة، لم تستهدف الحد من هدر الطاقة فقط، وإنما كان اليوان الرقمي الحافز الأهم وراء تلك القرارات، وبحسب البيانات الصادرة عن بنك الشعب الصيني – البنك المركزي – في بداية شهر يوليو (تموز) الماضي فإن التعاملات المالية التي أجريت باليوان الرقمي (التجريبي) بلغت 34.5 مليار يوان (نحو 5.3 مليارات دولار) حتى نهاية شهر يونيو (حزيران)، وفتح البنك لحوالي 20.8 مليون شخص عبر الصين محافظ إيداع للعملة الرقمية، مع إجراء أكثر من 70.7 مليون عملية.

وبحسب نائب محافظ البنك المركزي الصيني فاو يي في، فإن «اليوان الرقمي ليس بديلًا لليوان النقدي، وليس مناظرًا للعملات المشفرة؛ لأن اليوان الرقمي الرسمي يصدره البنك المركزي الصيني باعتباره وسيلة دفع مكملة، وليست بديلة للعملة النقدية».

هل هناك بديل؟

يعد رجل الأعمال الأمريكي الشهير إيلون ماسك من أهم المشجعين للعملات الرقمية، لكنه صرح أيضًا أكثر من مرة أنها على الرغم من كونها فكرة جيدة من نواح عدة ومتفائل بمستقبلها، فإنه يرى أن الأمر لا يستحق أن يكون على حساب البيئة. وأكد عدم نيته بيع عملات البيتكوين التي اشترتها شركة تيسلا حتى يجد تعدين العملات وسيلة للطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية، أو طاقة الرياح.

وتعتبر عملة «إكس آر بي» التي يقع مقرها في هيوستن بولاية تكساس الأمريكية؛ هي العملة الأقل ضررًا في عملية تعدينها؛ وهذا لاستخدمها 0.0079 كيلوواط في الساعة، بينما تستهلك عملة «دوجكوين»، التي روج لها إيلون ماسك كثيرًا، 0.12 كيلو واط في الساعة. أما الإثيريوم فتستهلك 62.56 كيلو واط في الساعة. وتأتي البيتكوين الأكثر انتشارًا في عالم العملات المشفرة في أعلى القائمة؛ إذ تستهلك 707 كيلو واط في الساعة الواحدة؛ ما ينتج عنه المزيد من تلوث البيئة، ومخاطر في التغير المناخي.

حتى الآن لم تزل الصين تستخدم الكهرباء الرخيصة في تعدين العملات الرقمية، وربما تكون الإجراءات الأخيرة المتخذة للحد من التعدين المحلي داخل الصين لها تأثير على عملية التعدين فيها، وساهمت في تقليلها بعض الشيء، لكن عمليات التعدين وإن قلت لم تزل مستمرة في الصين ولم تتوقف، ولم تتوقف الصين أيضًا عن استخدام الفحم في توليد الكهرباء المستخدمة في التعدين حفاظًا على اقتصاد البلد وتوفيرًا للمال، لكن كل هذا على حساب البيئة، ويفاقم أزمة التغير المناخي والاحتباس الحراري الذي يعاني منه كوكب الأرض الآن.

مقالات ذات صله