آخر تحديث: الثلاثاء | التاريخ: 2022/01/18

ماركويتز: الإعتقاد بأن الكذب منتشر في العصر الرقمي يفتقر للدقة

ماركويتز: الإعتقاد بأن الكذب منتشر في العصر الرقمي يفتقر للدقة

هل تسبب دخول التكنولوجيا إلى حياتنا في تعزيز انتشار الكذب في تواصلنا الإنساني؟ وإن كان الأمر كذلك فأيٌّ من منصات التواصل الاجتماعي ومواقع المحادثة ترتبط بمستويات أعلى بالكذب؟ يغطّي هذه الأسئلة الأستاذ المساعد في تحليلات بيانات وسائل التواصل الاجتماعي في جامعة أوريجون الأمريكية ديفيد ماركويتز، وذلك في دراسةٍ جديدة تناول نتائجها في مقاله المنشور على موقع «المنتدى الاقتصادي العالمي»

الرابط بين الخداع والتكنولوجيا

بالعودة إلى عام 2004 أجرى الباحث في مجال الاتصالات جيف هانكوك وزملاؤه تجربة استمرّت لسبعة أيام، قام بها 28 طالبًا بالإبلاغ عن عدد التفاعلات الاجتماعية التي خاضوها، سواء وجهًا لوجه، أو بالهاتف، أو بالرسائل الفورية، أو عبر البريد الإلكتروني، وذكر الطلاب أيضًا عدد المرات التي كذبوا بها في كل تفاعل اجتماعي.

أظهرت النتائج أن المشاركين كانت معظم أكاذيبهم خلال التفاعلات الاجتماعية التي جرت عبر الهاتف، وكانت أقلّ نسبة من الأكاذيب في تفاعلات البريد الإلكتروني.

يوضح الكاتب أن النتائج توافقت مع الإطار الذي يدعوه هانكوك بـ«النموذج القائم على الخاصية». وفقًا لهذا النموذج، تتنبأ جوانب معينة من التكنولوجيا بالمواضع التي يميل الناس إلى الكذب فيها أكثر، ويشمل ذلك أمور من قبيل إمكانية تبادل التواصل بسلاسة بين الجهتين، وما إذا كانت الرسائل تتلاشى سريعًا ومدى بُعد المتواصلين.

في دراسة هانكو حدثت معظم الأكاذيب في التفاعلات الاجتماعية عبر وسائط التكنولوجيا التي تتسم بكل تلك الميزات، أي عبر الهاتف. فيما أظهر البريد الإلكتروني احتواءه على النسبة الأقل من الأكاذيب، حيث لا يمكن للأشخاص التواصل بصورة متزامنة، وتبقى الرسائل مُقيدة أو مُسجلة.

إعادة النظر في دراسة هانكوك

لم يُكن إنشاء حساب على «فيسبوك» متوفرًا إلا لدى الطلاب في عدد قليل من الجامعات عندما أجرى هانكوك دراسته، وكان «آيفون» حينها ما يزال في المراحل الأولى من تطويره، إذ بدأ العمل عليه ضمن مشروع شديد السرية تحت اسم «المشروع الأرجواني». وهو ما يجعل الكاتب يتساءل: كيف ستبدو نتائج هانكوك الآن إذًا، بعد قرابة 20 عامًا من التطورات التكنولوجية العديدة؟

للإجابة عن هذا السؤال عمد الكاتب في دراسةٍ جديدة إلى تجنيد مجموعة أكبر من المشاركين ليدرس التفاعلات الاجتماعية عبر الوسائط التكنولوجية المتنوعة.

يقول الكاتب إن العيّنة في دراسته ضمت 250 شخصًا ممن سجّلوا تفاعلاتهم الاجتماعية، وعدد المرات التي كذبوا فيها على مدار سبعة أيام، وذلك عبر التواصل المباشر (وجهًا لوجه)، ووسائط التواصل الاجتماعي، والهاتف، والرسائل النصية، ومحادثات الفيديو، والبريد الإلكتروني.

توافقت نتائج الدراسة الحديثة مع نموذج هانكوك؛ إذ وردت معظم الأكاذيب بالنسبة للتفاعلات الاجتماعية في الوسائط التي اتسّمت بالتزامن، والتي تخلو من التسجيل، وعندما يكون المتواصلون بعيدين عن بعضهم: أي عبر الهاتف، وفي محادثات الفيديو. بينما وردت النسبة الأقل من الأكاذيب في رسائل البريد الإلكتروني.

ينوّه الكاتب إلى نقطة مثيرة للاهتمام في النتائج، إذ اتضح أن الاختلافات بين أشكال الاتصال طفيفة في الواقع، وبدا أن الاختلافات بين المشاركين – اختلاف الأشخاص في ميولهم للكذب – تتنبأ بمعدلات الخداع أكثر من الاختلافات بين الوسائط.

الكذب في أشكال التواصل المختلفة

خلصُت الدراسة الحديثة إلى ورود المعدل الأكبر من الأكاذيب لكل تفاعل اجتماعي في المكالمات الهاتفية ومحادثات الفيديو.

ويبدو أن الناس يكذبون بانتظام وبطريقة متوافقة مع نموذج هانكوك القائم على الخاصية، على الرغم من التغييرات الهائلة الحاصلة في الطريقة التي يتواصل بها الناس على مدار العقدين الماضيين، فضلًا عن الطرق العديدة التي غيّرت بها جائحة كوفيد-19 من نوعية الاختلاط الاجتماعي للناس.

هناك العديد من التفسيرات المحتملة لهذه النتائج، وإن كانت الحاجة قائمة للمزيد من العمل نحو تحقيق فهمٍ أدقّ لأسباب اختلاف معدلات الكذب مع الوسائط المختلفة. ويقترح الكاتب احتمالية أن تكون بعض الوسائط أبرع من غيرها في تسهيل الخداع، فقد تُسهّل بعض الوسائط – الهاتف ومحادثات الفيديو – احتمالية الخداع، أو تجعله يبدو أقل تكلفة بالنسبة للعلاقة الاجتماعية في حال انكشافه.

وقد تختلف معدلات الخداع عبر أشكال التكنولوجيا المختلفة؛ لأن الناس يستخدمون بعض الوسائط لعلاقات اجتماعية معينة دون غيرها. على سبيل المثال قد يتواصل الأشخاص عبر البريد الإلكتروني مع زملائهم في العمل فقط، بينما قد تتواتر مكالمات الفيديو مع العلاقات الشخصية أكثر.

ربما التكنولوجيا بريئة من أكاذيبنا

يخلص الكاتب إلى أمرين رئيسين فيما يتعلق بالدراسة: أولًا، هناك اختلافات طفيفة في معدلات الكذب عبر الوسائط عامةً، وما يهم أكثر هو ميل الفرد إلى الكذب لا نوع الوسائط التي يستخدمها للتواصل، سواء جرى ذلك عبر البريد الإلكتروني، أو الهاتف، أو خلاف ذلك.

ثانيًا، معدل الكذب منخفض في جميع المستويات، وببساطة فمعظم الناس صادقون، وهي فرضية تتفق مع «نظرية افتراض الحقيقة (TDT)»، والتي تقول إن معظم الناس صادقون أغلب الوقت، ولا يوجد سوى عدد قليل من الكذوبين النموذجيين في شريحة سكانية مُعطاة.

منذ عام 2004 أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مكانًا أساسيًا للتفاعل مع الآخرين، إلا أن هنالك تصورًا خاطئًا شائعًا مفاده أن التواصل عبر الإنترنت أو التكنولوجيا – على عكس التواصل الشخصي – يُفضي إلى تفاعلات اجتماعية أقلّ من حيث الكمّ والنوع.

ويسود اعتقادٌ خاطئٌ يرتبط باستخدامنا التكنولوجيا للتواصل؛ إذ كثيرًا ما يظنّ الناس بأنها تُصعّب من العثور على الصدق. يشير الكاتب في الختام أن هذا التصور ليس مضللًا فحسب، بل غير مدعم بالأدلة التجريبية أيضًا. في الواقع الاعتقاد بأن الكذب منتشر في العصر الرقمي لا يتطابق مع البيانات.

مقالات ذات صله