آخر تحديث: الجمعة | التاريخ: 2020/06/05

على طريق التفوق الكمومي، هل حققت جوجل التفوق؟

على طريق التفوق الكمومي، هل حققت جوجل التفوق؟

عماد بن عاشور – مهندس – في بلدة سانتا باربارا الهادئة على ساحل كاليفورنيا الجنوبي بعيدا عن ضجيج وادي سانتا كلارا الذي يعرفه أغلب الناس باسم وادي السيليكون حيث تتركز عادة أغلب شركات الحوسبة بالولايات المتحدة.. بين خضرة الجبال وزرقة المحيط الهادي في مكان قد يبدو لوهلة رائعا لقضاء العطلة، يقبع مبنى صغير يعرفه سكان سانتا باربارا بمختبر الذكاء الكمومي وهو يتبع لعملاق صناعة الحوسبة جوجل هذا المبنى يضم بعض ألمع العقول بميدان الهندسة والفيزياء بالعالم يقودهم العالم الألماني المخضرم مدير الهندسة هارتموت نيفين، يعمل هؤلاء على قدم وساق في سباق محموم ضد الساعة وضد منافسين من العيار الثقيل.

المنافسون ليسوا أقل من آي بي أم ومايكروسوفت والرهان كبير جدا: الوصول إلى ما يعرف في ميدان الحوسبة بالتفوق الكمومي ووسيلة خبراء جوجل في ذلك حاسوب جوجل الكمومي الأحدث والمعروف باسم “سيكامور”. في فيديو نشرته جوجل على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي يشرح نيفين باختصار مبدأ عمل الحواسيب الكمية ممهدا في ذلك للإعلان الأهم: جوجل قد حققت فعلا التفوق الكمومي.

رحلة السيليكون

في خضم الجدل المحتدم بين العلماء والمهندسين حول طبيعة وماهية الثورة الصناعية القادمة التي ستلي الثورة الرقمية التي انطلقت منتصف الثمانينات من القرن الماضي. يبرز مصطلح الحوسبة الكمومية كأبرز المرشحين لتكون في طليعة التقنيات الحديثة التي تستقطب رؤوس أموال البحث والتطوير لدى كبار الشركات والحكومات على حد سواء.

يعتقد العديد من علماء الحاسوب أن الكمبيوترات الكمية ستفتح آفاقا جديدة لم يكن من الممكن الوصول إليها مع الجيل الحالي من الحواسيب، فمنذ أن تعرف العالم على ثورة السيليكون بعد اختراع الترانزستور على يد العالم الامريكي ويليام شوكلي سنة 1947 محرزا مع فريق عمله بمختبرات بل جائزة نوبل للفيزياء، تطورت الحواسيب وزادت قوتها وسرعتها الحسابية باضطراد وبسرعة مذهلة لدرجة صار التنبؤ بتطورها محل قانون مثير للجدل يدعى قانون مور، حيث أعلن المهندس الأمريكي جوردن مور أحد مؤسسي عملاق صناعة المعالجات إنتل وقتها بكل ثقة أن المعالجات التي تعتمد على تكنولوجيا السيليكون ستضاعف من عدد الترانزستورات على رقائقها مضاعفة قوتها الحسابية كل سنتين.

تلك الثقة العجيبة التي أبداها مور في التنبؤ بمستقبل ما ستصير إليه تكنولوجيا السليكون ليس أعجب منها سوى الدقة الكبيرة والثبات اللتان أبدتهما هذه القاعدة طيلة ما يقارب نصف قرن من الزمان، فمازالت المعالجات المصغرة تزداد صغرا مضاعفة عدد الترانزسستورات مع تقدم تقنيات الالكترونيات الدقيقة مضاعفة بذلك من قدرتها الحسابية كل خمس سنوات منذ ذلك الوقت إلى اليوم. لكن خلال العشرية الأخيرة يبدو أن قانون مور قد بلغ أقصاه مع وصول حدود التصنيع إلى أصغر ما يمكن للبشر فهمه والتحكم فيه وحيث تصبح العشوائية هي الثابت الوحيد وأين تحل لغة الاحتمالات محل المنطق الرياضي.. إنها حدود فيزياء الكم.

من البت.. إلى الكيوبت

المعالجات المصغرة أو المايكروبروسيورات الحالية تعتمد في عملها على معمارية مبنية على كمية هائلة من الترانزستورات فائقة الصغر المترابطة مع بعضها البعض. هذه المعالجات تعتمد في برمجتها على لغة مبنية على المنطق الثنائي أو ما يعرف لدى المختصين بالمنطق البولياني. كل وحدة تخزين داخل ذاكرة المعالجات الحالية تسمى بت وهي تحتمل قيمتين الصفر والواحد. في عالم الحواسيب الكمومية لا وجود للترانزستورات فالمعالج الكمومي يعتمد على مبدأ التراكب الكمومي للمادة. حيث أن جميع جسيمات المادة كالذرات والالكترونات أو حتى الفوتونات تأخذ حالتين أو أكثر.

الفرق بين البت العادي والبت الكمي أو ما يعرف الكيوبت هو أن الصفر والواحد وبدلا من كونهما قيمة قطعية يصبحان قيمة محتملة بنسبة احتمال معينة. بمعنى أن الكيوبت على عكس البت لن يكون صفرا أو واحدا بصورة مطلقة بل هو يحمل قيمة محتملة بين هاتين القيمتين، فقد يكون صفرا بنسبة عشرين بالمائة واوحد بنسبة ثمانين بالمائة وهكذا. هنا ستستبدل الخوارزميات القطعية التي سيرت الحواسيب الكلاسيكية بخوارزميات من نوع جديد عكف الرياضيون والفيزيائيون على تطويرها وتحسينها منذ منتصف السبعينات، أي قبل بناء أول نموذج لحاسب كمومي بثلاثين سنة عل الأقل حين تفطن علماء الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي على حد السواء لإمكانيات الحوسبة الكمية ولو نظريا في ذلك الوقت مطلقين ما مجالا جديدا للبحث يعرف بنظرية المعلومات الكمومية في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الحوسبة الكمومية.

على طريق التفوق الكمومي

يشرح هارتموت نيفين وفريقه في الفيديو الذي نشرته جوجل عن مفهوم التفوق الكمومي: “إن الهدف الواعد الذي تقدمه لنا الكمبيوترات الكمومية هي أنها تستطيع القيام ببعض المهام بسرعات مضاعفة مقارنة بالحواسيب العادية.. التفوق الكمومي هو التجربة المخبرية التي تؤكد هذا الكلام .” يضيف نيفين قائلا: إن الشيء الجميل فيما يخص تجربة التفوق الكمي هي كونها معرفة بشكل جيد من حيث طبيعتها الهندسية”، مشيرا في ذلك إلى بدايات هذا المصطلح المثير للجدل الذي روج له جون بريسكل أستاذ الفيزياء النظرية بمعهد كاليفورنيا التقني كالتيك قبل سنوات والذي يعبر فيه عن الحد الذي تبلغ فيه الحواسيب الكمومية الحد الأدنى من القدرة الحسابية التي تجعل منها متفوقة بشكل حاسم على غيرها من الحواسيب العادية الكلاسيكية.

يشرح فريق عمل جوجل في الفيديو كيف تمكنوا من زيادة عدد الكيوبت في المعالج الكمي إلى ثلاث وخمسين كيوبت وما صاحب ذلك من مشاكل تقنية نظرا للعدد الكبير من الكيوبتات التي ينبغي أن تعمل معا في تناغم تام بعيدا عن أي ضجيج كمومي قد يعوق من قدراتها الحسابية. غريم معالج سيكامور في هذه المبارزة الحسابية لم يكن أقل من حاسوب آي بي أم الخارق المسمى ساميت المتواجد بمختبرات أوك ريدج الوطنية بتينيسي والذي يصنف كأقوى حاسوب خارق متاح حاليا للعلماء والباحثين عبر العالم للقيام بأي حسابات عبر خوادمه السحابية. فريق جوجل أكد ان الحسابات المعقدة التي تم اجراؤها على معالج سيكامور في زمن قدره ثلاثمئة ثانية قد تتطلب من حاسوب ساميت أكثر من عشرة آلاف سنة لمحاكاتها. رقم يجعل من سيكامور حسبهم الفائز بالضربة القاضية.

مقالات ذات صله