قررت كل من التلميذتين جمانة ولويزة اللتين تتراوح أعمارهما بين 15 و16 سنة، التخلي نهائيًا عن هاتفيهما الجوالين، وهما تفسران لنا فيما يلي سبب ذلك، بالنسبة لجمانة، فهي ترفض فكرة وضع هاتف جوال في جيب سترتها، لأنه يسبب لها التوتر، أما بالنسة للويزة، البالغة 16 سنة، فقد قررت منذ مدة عدم تغيير هاتفها الجوال في حالة غرقه في الماء أو فقدانه، وهي الآن تعيش بأريحية أكبر دون هاتف ذكي.

في هذا الصدد، أشارت إحصائية لمركز بحث ودراسة الظروف المعيشية الفرنسي أن ما يقارب 93% ممن تتراوح أعمارهم بين 12 و17 سنة بحوزتهم هواتف جوالة، وفي السياق ذاته، ذكر المركز نفسه بأن هذه النسبة وصلت تقريبًا 100% للذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، من جانب آخر، قررت التلميذتان العيش بلا هاتف جوال، رغم أن المراهقات في سنهن يستعملنه بكثرة، وسنستمع لشهادتهما عن هذا الأمر في التقرير التالي.

“أنا لا أعتمد كثيرًا على هاتفي”

تعيش جمانة ذات الـ15 سنة في مدينة “روبيه” الفرنسية، وهي لا تستعمل هاتفًا ذكيًا منذ نهاية مرحلتها الدراسية الثالثة من التعليم الابتدائي، ولإرضاء أبويها تحمل جمانة هاتفًا “قديم الطراز”، تحشره في جيب معطفها دون أن تستعمله، وفي هذا الصدد قالت والدتها: “أنا أدفع قيمة الاشتراك، وهي لا تستعمل الهاتف”، من جهتها بررت جمانة عدم استعمالها الهاتف الجوال قائلة: “ألاحظ أن لدى زملائي ردة فعل مشتركة، حيث يتحسسون هواتفهم الجوالة داخل جيوبهم أكثر من عشر مرات خلال يوم واحد، في بعض الأحيان، يسبب لهم ذلك إجهادًا نفسيًا خلال الدرس، حيث يسيطر على أذهانهم ذلك السؤال: هل حقًا تركت الهاتف في الوضع الصامت؟”.

واصلت جمانة حديثها، مؤكدة للصحيفة أن مثل هذه الأفعال تعزز من سخطها على الهاتف الجوال، وأضافت: “أرفض فكرة وضع الهاتف في المعطف وحمله، فهذا يسبب لي توترًا، كما أنني أرفض أن يسيطر على ذهني رد فعل “لا إرادي”، يجبرني على تفقد الهاتف بكثرة”، كما أكدت أيضًا أنها تنزعج من وضع الهاتف في الشاحن لمدة 24 ساعة، وأصبحت تحس بأن استعمال هاتف ذكي أمر يخالف قيمها الحياتية، إلى أن تحول  الهاتف الذكي شيئًا فشيئًا إلى آلة عديمة النفع والفائدة، لذلك تخلت عنه منذ سنة تقريبًا.

تقول جمانة: “حصلت على أول هاتف لي خلال السنة السادسة من التعليم الابتدائي، بعد ذلك بدأ يتلف شيئًا فشيئًا، قبل أن ينكسر، ومع نهاية السنة الخامسة الأساسية استعملت هاتفًا من نوع “آيفون”، بدأ هو الآخر بالتلف، ولم أعمل على استبدال هاتف آخر به، حيث رأيت أنه من الأجدر تركه في المنزل وعدم حمله للمدرسة، قبل أن أتخلى عنه نهائيًا، وخلال انتقالي إلى المعهد، لم يزعجني كثيرًا عدم استعمالي للهاتف، وحتى في حالة دخولي متأخرة إلى الفصل، لا أفضل الحديث مستعملة رسائل نصية قصيرة عبر الهاتف مع زملائي، لتذكيري بما فاتني من الدرس، بل أفضل الحديث وجهًا لوجه، أما إذا أرادت إحدى صديقاتي الاتصال بي، فهي تتصل برقم والدي أو والدتي”.

وعن فترة التحاقها بالمدرسة الثانوية، تضيف قائلة: “أتذكر جيدًا أنني عندما كنت ألتقي بأصدقائي، يخرجون هواتفهم الذكية، قبل أن ينعزل كل واحد منهم بنفسه، والشيء ذاته يحصل مع العائلة، لذلك تعزز هذه الحركة قناعتي بعدم استعمال هاتف جوال، من جهة أخرى، إذا أراد والداي الاتصال بي، فلدي هاتف من الطراز القديم، وأنا أحافظ عليه لأن أمي اشترته لي، لذلك لا أرى سببًا للاستغناء عنه، لكنني أفكر في إهدائه لأختي الصغيرة عندما تلتحق بالسنة السادسة، وقد مر تقريبا أسبوعان أو ثلاثة، منذ آخر مرة استعملت فيها هذا الهاتف، حيث تركته في جيب معطفي دون بطارية”.

“في بعض الأحيان، يبدو لي وكأنه جسم غريب”

عن علاقتها بالهاتف الجوال في المرحلة الثانوية، تقول جمانة: “في المدرسة الثانوية الكل يحظى بهاتف جوال، والبعض منهم يرون في هذا الجهاز حياتهم، وبالنسبة للعلاقات مع الأصدقاء المقربين، فالهاتف الجوال لا يمثل مشكلة كبيرة، في حين أنني أراه، إلى حد ما، عبارة عن جسم غريب، وعندما أخرج من المدرسة الثانوية، أتصل بأمي لملاقاتها، مستخدمة هواتف أصدقائي، وقد تعودوا على ذلك، وفي حالة تنظيمي لموعد مع أصدقائي، أترك لهم رسالة نصية على حسابي في موقع “فيسبوك”، لكن مع غياب الهاتف، ينتابني ذلك الشعور بعدم تأكدي من احترام أصدقائي للموعد من عدمه، لذلك، أستعير هاتف أحد المارة، الذين يبدون تخوفهم في البداية، ثم يعيرونك الهاتف بطرية لطيفة، وبما أنني لا أستعمل هاتفًا جوالاً ذكيًا، ألتجئ دائمًا إلى “فيسبوك” وموقعي الإلكتروني لتبادل الحديث مع الأصدقاء، وأفعل ذلك مرتين في اليوم على الأقل”.

عن اهتمامها بوسائل التواصل الأخرى، لخصت لنا جمانة موقفها بالقول: “أنا لا أشاهد التلفاز، ولا أحب برامجه، لكنني أقضي وقتًا طويلاً أمام حاسوبي المحمول، حيث أقضي أمامه قرابة ثلاث أو أربع ساعات في اليوم خلال فترة الدراسة، وأتجاوز هذا الوقت بكثير خلال فترة العطل، وأتابع عدة برامج ممتعة على “يوتيوب”، كما أتبادل مع أختي هذه البرامج، كتلك الناطقة باللغة الإنجليزية، حيث أطمح لتعلم هذه اللغة، إضافة إلى القنوات التي تنشر فيديوهات علمية، فأنا أريد أن أصبح طبيبة، كما تضم قائمة متابعتي بعض القنوات المهتمة بالأسفار”.

بسبب متابعتها لهذه البرامج على “يوتيوب”، أصبحت جمانة مطلعة على الواقع، كما تضيف: “أتعطش لطلب المعلومة، ولا زلت أومن بأن الهاتف الجوال سيجعلني محدودة التفكير

وبسبب متابعتها لهذه البرامج على “يوتيوب”، أصبحت جمانة مطلعة على الواقع، كما تضيف: “أتعطش لطلب المعلومة، ولا زلت أومن بأن الهاتف الجوال سيجعلني محدودة التفكير، وبإمكاني تتبع جميع الأخبار على حاسوبي دون الحاجة لهاتف ذكي”.

أما فيما يتعلق بطبيعة علاقة الإنسان بالهاتف الجوال، فترى جمانة أن “الهاتف الجوال يشد انتباهنا، ويجعل منا مجرد سوق استهلاكية لتطبيقاته، حيث لا يمكننا التحكم به كالحاسوب، مع العلم أن نقل الحاسوب المحمول يشكل صعوبة كبيرة مقارنة بالهاتف، وبالنسبة لي، فإن ذلك يجعل بيننا وبين التكنولوجيا مسافة أمان كي لا تسيطر على حياتنا، وأرى أنه من الأجدر أيضًا وضع حد لتأثير التكنولوجيا علينا، خصوصًا في كيفية التحكم بما تخلفه التكنولوجيا من أضرار بيئية جسيمة، لذلك، أتمنى أنا وأختي أن نصبح طبيبتين، وننتقل للعيش في كندا، ونؤسس منزلاً بمواصفات تحترم البيئة، ولكنني في حال أصبحت طبيبة، أعتقد بأني سأحتاج لهاتف جوال، كي يتصل بي مرضاي، أما الآن فلن أستعمله لحين تحقيق حلمي”.

“أرغب بممارسة التسلّق”

في الواقع، لم تفكّر لويزة البالغة 16 سنة، في شراء هاتف جديد بدل القديم الذي تلف بسبب الكحول، حيث قالت: “غالبًا ما يظن الناس أنني معادية للتكنولوجيا لعدم امتلاكي هاتف جوال، غير أن هذا الأمر غير صحيح، في البداية، لم يكن عدم امتلاكي للهاتف الجوال خيارًا، ولكن الأمر أصبح كذلك فيما بعد”، وتضيف: “امتلكت أجهزة هاتف عديدة، غير أنني عجزت عن الحفاظ على أي منها، نتيجة لذلك، لم أشتر جهازًا آخر بعد أن تلف الأخير منذ سبعة أشهر”.

حين تأكدت لويزة أن الأمر لا يستحق العناء، قررت عدم حاجتها لهاتف جوال جديد، ذلك أنها لاحظت أن حياتها تسير على أحسن ما يرام في غيابه، بالعودة إلى الوراء، تتذكر الشابة حصولها على أول هاتف ذكي، في الصف الرابع من المرحلة الإعدادية، بمستوى جودة متوسط، حيث استخدمته لتبادل الرسائل مع أصدقائها، لكنها كثيرًا ما كانت تنسى حمله، لأسابيع متتالية، بالتالي لم يعد أحد يتواصل معها من خلاله.

أحد الهواتف التي امتلكتها لويزة انتهى به المطاف غرقًا في النهر، فيما تحطم جهاز آخر، ومن ثم فقدته خلال رحلة مدرسية إلى إيرلندا، في المقابل، اقتنت الشابة هاتفًا من نوع “يآفون”، وظن الجميع أنها ستحافظ عليه، نظرًا لجودته العالية، غير أن ما حدث أنه غرق في الكحول بعد شهرين، حيث تقول لويزة: “لم يقاوم الهاتف ما حدث له، حسنا، لم أكن أعلم أنه سريع العطب لهذه الدرجة، في النهاية أدركت أن الهاتف الجوال لم يُصمّم لأمثالي، فطالما أنني لم أُعره الاهتمام اللازم، معنى هذا أنْ لا قيمة له عندي”.

17 مكالمة لم يتم الرد عليها

في هذا الصدد، تقول لويزة: “أصدقائي مدمنون للغاية، لدرجة أن هواتفهم تتم مُصادرتها في المدرسة ليومين كاملين، وهو ما يعتبرونه عملاً وحشيًا، في الحقيقة، يفضّل البعض منهم الهواتف ذات الطراز القديم على الهواتف الذكية، فيما عدا ذلك، لا أعرف شخصًا لا يملك جهازًا، في المقابل، لا أشعر بمقاومتي لأي ضغط اجتماعي”، وأضافت الشابة أن أصدقاءها لم يُفاجأوا بالخيار الذي قامت به، كما جعلوا من الأمر دعابة يُلقونها “آه.. لويزة وهاتفها”، ذلك أنهم كانوا يجدون صعوبة في التواصل معها، بسبب نسيانها المستمر للهاتف.

إن عدم امتلاك هاتف يجبر الشابة على الحضور في الموعد المناسب عند لقاء شخص ما، الأمر الذي لم تكن معتادة عليه

أما أستاذ الفلسفة فقد أعرب عن دهشته حين علم أن لويزة لا تستخدم الهاتف، ولا يزال عاجزًا عن تصديق الأمر إلى الآن، في واقع الأمر، فإن عدم امتلاك هاتف يجبر الشابة على الحضور في الموعد المناسب عند لقاء شخص ما، الأمر الذي لم تكن معتادة عليه، من جهة أخرى، أشارت لويزة إلى أن الهاتف المحمول مثّل مصدر توتر لها، ذلك أنها كانت مجبرة على إيلاء الجهاز الأهمية اللازمة، وبتركه انزاح ثقل كبير عن كاهلها.

عن تلك الظروف، فسرت لويزة الأمر، قائلة: “كان الناس يحاولون التواصل معي، وكنت أتجنب الرد، وهو ما تسبّب في خلق مشكلة، حيث كنت أتفقد الهاتف بعد ساعتين، لأجد 17 مكالمة فائتة من أمي، في الحقيقة، أرفض أن أكون متاحة طيلة الوقت، وهو أمر يناسبنا جميعًا، أنا ووالداي، حتى أنني سأثبت ذلك الآن”.

وهنا تطرح لويزة السؤال على أمها التي تجيب بأن الأمر بالنسبة لها “لا يمثل أي مشكلة”، وعند سؤال لويزة لها عن السبب، أجابتها بأن امتلاك الهاتف يجبرك على أن تكوني متاحة طيلة الوقت، وبعد الموافقة على كلام والدتها، نستأنف حوارنا معها عن الأمر.

هاتف والدي   

تقول لويزة إنها تعتبر نفسها “فتاة مندفعة جدًا، غير أن عدم امتلاكي لهاتف جعل عدم استباقي لما سيحدث خلال النهار أمرًا طبيعيًا، في الواقع، أحتفظ في حقيبتي بملاحظة تحتوي على رقم هاتف منزلنا ورقم هاتف عمل أبي، بالإضافة إلى أرقام كل من أخي وأصدقائي المقربين، وفي حال احتجت إلى هاتف، فسرعان ما أجد واحدًا، حيث تعج الشوارع بالهواتف العمومية، كمثال على ذلك، لم أجد نفسي أبدًا في موقف كإلغاء رحلة بالقطار، ولم أجد مساعدة من أحدهم من خلال إعارتي لهاتفه”.

وعن القطيعة التي تنشط بينها وبين الهاتف المحمول، تضيف لويزة: “أما في منزلنا، فأنا أعتمد على الهاتف الثابت، حيث يملك أصدقائي رقمه، بالإضافة إلى رقم جوال أمي التي تتواصل معهم أحيانًا لتطمئن عليّ، في الواقع، أستخدم الهاتف الجوال بمعدل مرتين في الأسبوع، لدقائق معدودة لا أكثر، فعلى سبيل المثال، استعرت اليوم هاتف صديقتي لأُعلم أمي بموعد انتهاء الدروس، كما أعلم جيدًا أن هذا الأمر لا يُزعج أصدقائي”.

استعارت لويزة خلال زيارتها إلى باريس، الأسبوع الماضي، هاتف والدها ذا الطراز القديم، الذي لم تكن لتحمله لو كان الأمر بيدها، غير أن الأمر شكّل مصدر طمأنينة لوالديها

وفي مشهد آخر، استعارت لويزة خلال زيارتها إلى باريس، الأسبوع الماضي، هاتف والدها ذا الطراز القديم، الذي لم تكن لتحمله لو كان الأمر بيدها، غير أن الأمر شكّل مصدر طمأنينة لوالديها، وعلى الرغم من عدم امتلاك لويزة لهاتف، ففهذا لا يعني انقطاعها عن العالم الافتراضي، حيث تقضي وقتًا طويلاً في استخدام الحاسوب، سواء لإتمام الدروس أو لمشاهدة الأفلام والمسلسلات، في المقابل، لا تشاهد لويزة التلفاز، إذ لا تعتبره مثيرًا للاهتمام.

على صعيد مواقع التواصل الاجتماعي، قامت لويزة بتعليق حسابها على “فيسبوك”، غير أنها لا تزال فاعلة على حسابي “تويتر” و”إنستجرام”، كما أن تطبيق “ماسنجر” يسمح لها بالتواصل مع أصدقائها.

أمر لا مفر منه

عن مستقبلها مع الهاتف الجوال، قالت لويزة: “أنا على يقين أنني لن أمتلك هاتفًا إلى حين تخرجي، وأيضًا خلال دراستي الجامعية (في تاريخ الفن على الأرجح)، في المقابل، أظن أن استخدام الهاتف الجوال أمر لا مفر منه عندما أبدأ حياتي العملية، في الحقيقة، مشاهدة حاجة الناس من حولي إلى هاتف حتى يبقوا على تواصل، أمر لا يغريني، صحيح أنني غير قادرة على الاستمتاع بلعبة “بوكيمون جو”، وذلك لعدم توفر هاتف لدي، لكنني تجاوزت المسألة”.

في الأثناء، ترى لويزة أن امتلاك الهاتف كان سيُعدّ بمثابة إضاعة للوقت، بسبب الانغماس في التطبيقات الكثيرة، بالإضافة إلى ذلك، تبرر سبب نفورها من الهاتف الجوال بقولها: “ما يزعجني هو التعلق بشيء مادي”، مشيرة إلى أن حمل هاتف جوال يحرمها متعة التسلق، حيث تسلقت في عطلة الأسبوع إحدى البوابات للالتحاق بحفل ليلي، واصفة مشاعرها في تلك الليلة بقولها: “كنت مرتاحة، أما صديقي فقد تحطم هاتفه حين وقع منه، وقد بدا الأمر في الواقع وكأن مأساة قد حصلت”.

المصدر: نوفال أوبسرفاتور | نون بوست